الاثنين، 13 يوليو 2020

ماذا تستخدم إذا لم تجد الملح أو السكر

ماذا تستخدم إذا لم تجد الملح أو السكر أو الزبدة أو البطاطا في المطبخ؟

تفادياً لزيارة السوبرماركت أكثر من مرة أسبوعياً
الأحد - 8 شوال 1441 هـ - 31 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15160]
لندن: كمال قدورة

منذ بدأت أزمة «كورونا» وأغلقت الحكومات المدن والمحال وغيرها تبدل حال العالم وتبدل حال طعام الناس، وأصبح من المستحيل على كل شيء يريده الفرد كما كان الحال قبل «كورونا» فانقرض الكثير من المواد من المحلات بعد أن لجأ الكثير من الناس إلى تخزينها بسرعة، وقلّ توفر مواد أخرى وانتقل عالم الطعام من عالم الكثرة والخيار إلى عالم التدبير مع انتشار ظاهرة الحجر أو العزل الذاتي وبقاء الناس في بيوتهم في محاولة للحد من انتشار الفيروس.

عدم توفر بعض المواد أحياناً في المطبخ يشكّل إحباطاً كبيراً للأفراد الذين يحبون الطبخ ويحبون طبخ الأطباق بأفضل ما يكون، ومع ذلك وفي ظل النقص لا يزال ممكناً تحضير الكثير من الأطباق المميزة عبر تبديل أو استبدال بعض المكونات المفقودة.

وقد قام توني تيلور في صحيفة «الغارديان» البريطانية بسؤال الكثير من المختصين والطباخين في هذا المجال، وأفرد الكثير من النصائح المفيدة التي قد تغيّر رؤية الفرد إلى ما يمكن فعله وإنتاجه رغم الشح الذي فرضه الفيروس على المواد والمكونات.

فعلى سبيل المثال، يطرح بعض الاختصاصيين والطباخين استخدام صلصة الصويا كبديل للملح إذا تعذّر إيجاده. ويتم ذلك في اليخنات بشكل عام، كما ينصح البعض بطحن مكعبات المرق العادية واستخدامها للتمليح في أثناء عملية الطبخ. وفي حالات أخرى يمكن استخدام حب الكيبر أو جبنة البارمازان أو سمك الإنشوفيز الصغير، وهذه المواد عادةً مالحة بطبعها كما هو السبانخ من بين الخضار.

وفي حال تعذر الحصول على مكعبات المرق يمكن استخدام رب البندورة أو بعض أنواع الصلصات كالميسو والويرشيستر للحصول على نتائج معقولة ومرضية من ناحية الطعم.

ويمكن اللجوء أيضاً إلى استخدام المياه المالحة في معلبات الحبوب وغيرها للحصول على المرق المالح، ولطالما استخدم الكثير من الناس في السابق ماء المعلبات المالح في عملية الطبخ من دون إضافة أي ملح. ويقول ميتشسيل إبراهيم، أحد طباخي مطاعم «أومبرا»، إن الكثير من الخضار المخمر بحمض اللاكتيك، يحتوي على كمية لا بأس بها من الملح ويمكن استخدامها في طبخ اليخنات.

وهناك بعض الناس الذين لا يستخدمون الملح في الطبخ ويفضلون استخدام البهارات للحصول على الطعم المرغوب ويعدّون هذا الاستخدام أفضل بكثير من الملح. ويجدر بالذكر هنا أن الأطباء والخبراء ينصحون دائماً وقبل جائحة «كورونا» بعدم استخدام الملح كثيراً والإقلال منه قدر المستطاع لأنه قد يؤدي إلى رفع ضغط الدم والسكتات القلبية ومشكلات في الكلى والسكتة الدماغية وهشاشة العظام.

وبالنسبة إلى الزبدة والدهون يقول تيلور، إنه يمكن استبدال معظم الدهون بدهون أخرى ويمكن تحضير البسكويت بالزيت النباتي أو زيت الزيتون إذا توفر، وإن الزيوت المحايدة هي الأفضل في هذا الإطار.

وهذه الكلام صحيح، إذ يمكن استخدام زيت السمسم أو زيت حبة البركة بديلاً عن زيت الزيتون في السلطة، ويمكن استخدام زيت الخردل أو زيت النخيل أو زيت جوز الهند بدلاً من الزبدة أو السمنة أو الزيت النباتي، للقلي وتحضير بعض أنواع اليخنات.

وماذا عن الليمون الذي يستخدمه أهل الشرق الأوسط والمتوسط كثيراً خصوصاً العرب، في بعض الحالات يمكن اللجوء إلى السماق إذا توفر بالطبع ويمكن أيضاً استبدال بالليمون قطرات من الخل. وفي حال توفر الليمون أو اللايم ينصح بعض الخبراء بعصره وتجميده في مكعبات للاستخدام عند الحاجة لأن الليمون يتلف سريعاً في المطبخ والبراد. وهناك بعض الناس الذين يستخدمون قشور الليمون نفسها وتجميدها قبل استخدامها للتتبيل الطعام بدلاً من الملح والفلفل الأسود.

وينصح البعض أيضاً في حال تعذر الحصول على المايونيز، بتحضيره من حليب الصويا وزيت بذور اللفت أو زيت عباد الشمس والخل. لكن يمكن تحضير المايونيز في البيت بسهولة إذا توفر الزيت النباتي والبيض، فلا يحتاج الفرد إلا إلى كوب واحد صغير من الزيت وصفار بيضة واحدة مع ملعقة صغيرة من الخردل وملعقة صغيرة من الخل ورشة ملح.

لكن ماذا عن نقصان الطحين أو فقدانه عند تحضير اليخنات والصلصات لتثخينها؟ كما هو معروف أن البطاطا من المواد التي تساعد على تثخين المرق أو الصلصة، أي يمكن إضافة بعض قطع البطاطا لعملية التثخين والتسميك، أو يمكن استخدام الأرز أيضاً الذي يعد من المواد القادرة على تثخين المرق، ويمكن طحن الأرز واستخدامه كالنشاء. ولتحضير صلصة الباشيميل يمكن إضافة كسرات الخبز أو البسكويت المطحونة بعد خلطها بالزبدة لتحضير عجينة الرو. وينصح الكثير من الناس بعدم تبذير فتات الخبز وكسراته بل إعادة استخدامها على السلطات وفوق عدة أنواع من الشورباء بديلاً عن الكروتونز.

وفي حال تعذر الحصول على الخل يمكن استخدام بعض ماء المخللات في المطبخ أو يمكن استخدام عصير التفاح المائل إلى الحموضة كبديل ممتاز عن الخل.

وماذا عن تعذر وجود السكر وفقدانه؟ يقول الكثير من الطباخين إنه يمكن استخدام شراب القيقب أو العسل أو استخدام ماء معلبات الفاكهة، وفي أثناء صناعة الحلويات يمكن أن تنوب القرفة عن السكر أحياناً. ولا بد من الذكر هنا أن هناك الكثير من أنواع الخضار الغنية بالسكر مثل الشمندر والجزر والبطاطا والكوسا وغيرها. كما أن معظم الحلويات غنية جداً بالسكر ويمكن الاتكال عليها لتحضير بعض الوصفات من دون اللجوء إلى استخدام السكر المكرر.

وفي حال تعذر الحصول على الأرز يمكن استخدام الحبوب والبقوليات القديمة مثل الشعير اللؤلؤي والحنطة السوداء والقمح والبرغل والدخن والعدس، كما يقول تيلور نقلاً عن الطباخة إيرنا جورجيسكو.

كما ينصح الطباخون باستخدام الخضراوات الجذرية بديلاً عن البطاطا إذا تعذر الحصول عليها مثل الكرفس أو اللفت السويدي أحياناً والجزر.

لكن إذا تمكن الفرد من الحصول على البطاطا، فيمكنه تخزينها في كيس أسود ووضعها في مكان مظلم، حيث تبقى صالحة للاستخدام لمدة ستة أشهر.


الحصرم - Sour Grapes

 

الحصرم... بديل الحامض الأول

مصر في مقدمة الدول العربية المنتجة وسوريا بعدها
الأحد - 21 ذو القعدة 1441 هـ - 12 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15202]
لندن: كمال قدورة

الحصرم واحد من أنواع الفاكهة المشهورة في المناطق الريفية والزراعية في العالم العربي. وهو كما يعرف أول العنب، أي العنب قبل أن ينضج ويصبح أكثر حلاوة. ويكثر الحصرم في بدايات فصل الصيف، أي قبل أن يستوي وينضج ويصبح عنباً نهاية الفصل. لكن الحصرم لا يستخدم كفاكهة بحد ذاتها، بل يحضر ويستغل للاستخدامات المطبخية الكثيرة خلافاً للعنب وبديلاً للحامض والخل بالتحديد.

وتعتبر مصر من أهم الدول في العالم والعالم العربي في إنتاج الحصرم والعنب، وتأتي بعدها سوريا التي تنتج 10 في المائة من محصول العنب في العالم العربي وفي المرتبة الـ8 في العالم، وتتركز زراعته في محافظة دمشق والغوطتين الشرقية والغربية ومناطق القنيطرة في الجنوب والسويداء وبساتين إدلب وحماة وحمص وحلب، وغيرها من المناطق الزراعية الرئيسية. ويقول الباحثون السوريون في هذا المضمار، إن إنتاج العنب يستهلك طازجاً في معظمه والبقية يستخدم لإنتاج الدبس وعصير العنب والزبيب والملبن والخل، أما الـ«تفل» (بقايا الحصرم أو العنب) فيستخدم «علفاً للحيوانات وأسمدة عضوية جيدة لتحسين نوعية التربة، وتستعمل البذور أحياناً بديلاً للتبن وتستخرج منها بعض الزيوت». وقد جرت محاولات عدة لتصنيع عصير الحصرم على نطاق استهلاكي واسع في سوريا، إلا أن تواصل الحرب الأهلية هناك منع هذه الجهود من أن تؤتي ثمارها.

إن حموضة الحصرم الطبيعية هي ما تعطيه قيمته العالية وأهميته المطبخية. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن نسبة الأحماض العضوية في الحصرم عالية جداً على عكس نسبة السكريات القليلة، وهو يحتوي على الفلافونوئيدات - Flavonoids (مركبات عضوية تتحلل في الماء) المضادة للأكسدة والبكتيريا والفطريات والطفرات الوراثية والفيروسات. وهذه المركبات موجودة في الكثير من أنواع الفاكهة والخضراوات، وتساهم بشكل كبير كما أشارت الدراسات الطبية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية في محاربة السمنة والتخلص من الوزن، وهو أمر محط اهتمام الكثير من الناس الراغبين في التخلص من الوزن ومن الاختصاصيين وبحاثة الغذاء في الدول الغربية التي تعاني من داء السمنة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية وجنوب أفريقيا، والأهم في العالم العربي في الكويت والسعودية وقطر ومصر وغيره.

وللاستخدام عادة ما يعمل الناس على تجفيفه وتخزينه للاستخدام المستقبلي، كما يحصل مع العنب للحصول على الزبيب، والأهم أنه يتم طحنه أو عصره قبل تصفيته بفوطة المطبخ القطنية للتخلص من شوائبه وبقاياه أو ما يسمى بالـ«تفل». وبعد ذلك يحفظ العصير في البراد ليستخدم لأطول مدة ممكنة، وبالطبع كبديل للحامض والخل وفي عملية إنتاج الكثير من الصلصات، وخصوصاً صلصة الخردل.

يستخدم عصير الحصرم الطازج في طبخ ورق العنب وما يعرف باليبرق وفي طبخ المحاشي الأخرى مثل الكوسا والباذنجان والبندورة، كما يستخدم لتحضير سلطة الفتوش وسلطة التبولة وسلطات الخضرة على أنواعها كما سبق وذكرنا كبديل للحامض. ومن هذه السلطات سلطة البندورة بالنعناع والبصل الأخضر وزيت الزيتون والملح. ويستخدم البعض عصير الحصرم أيضاً ليضيفه على شرائح الكوسا والباذنجان والقرنبيط المقلية مع الثوم، أما البعض الآخر فيستخدم في عملية طبخ الدجاج بالفرن (تنقع قطع الدجاج بالعصير قبل الطبخ). وقد جرت العادة أن يُستخدم العنقود كاملاً من دون عصير فوق اليخنات والمحاشي لإكسابها طعماً حامضاً فريداً وطيباً لا مثيل له.

وهناك من الناس ما يخلل الحصرم عبر تمليحه ووضعه في المرطبان مع الثوم المفروم وزيت الزيتون، ويضيف الفلسطينيون الحر إلى الخلطة. ومن الناس ما يخلله بشكل عادي وتقليدي، أي مع الملح والماء والسكر فقط. كما يمكن أن يضاف عصير الحصرم إلى طبق البقلة أو الفرفحينة مع البندورة والثوم واللحم. كما يحضر الكثير من الناس عصير الحصرم لشربه كبقية أنواع العصير مع السكر في فصل الصيف، وهو من أنواع العصير المثلجة والمنعشة والمغذية. ويستخدم هذا النوع من العصير كثيراً في مناطق الشمال السوري، وخصوصاً منطقة حلب. ويعمل أهل حلب أيضاً على استغلال واستخدام الـ«تفل» بعد تجفيفه تحت الشمس وتخزينه، وأهم هذه الاستخدامات هي إدخاله مادةً أساسية في تحضير الزعتر الحلبي المعروف جداً بدلاً من استخدام ملح الليمون السام.

جاء ذكر الحصرم واستخداماته الطبية في كتب الطب القديم ومنها كتاب «تقويم الصحة» لابن بطلان في بغداد في القرن الحادي عشر للميلاد والذي ترجم إلى الكثير من اللغات، وخصوصاً اللاتينية. وبشكل عام قيل عنه قديماً إنه «يعقل البطن ويولد المغص والريح». ويبدو أن الناس قديماً استخدموا مسحوق الحصرم المجفف لتدليك البدن لأنه مفيد في تقويته وعلاج بعض الأمراض الجلدية. كما استخدمه البعض أيضاً لعلاج «البواسير والتقرحات المزمنة. أما مزج عصارة الحصرم المجفف مع العسل فينفع في بعض آفات الحلق واللسان واللثة وفي تخفيف وجع الأذن الملتهبة». وحالياً يعرف أن الحصرم وعصيره ومشتقاته مفيد جداً للقضاء على العطش و«تقوية المعدة والكبد ونافع في تهدئة التقيؤات والإسهال، كما يشير موقع «لحن الحياة».

كما أنه مفيد للحوامل بحيث يساهم في منع سقوط الجنين، ومضاد للأكسدة والتقرح كما ذكرنا سابقاً، ويعمل على تخفيض كمية الكوليسترول الضار في الدم ويعالج مشاكل عصر الهضم ويعزز الجهاز الهضمي لكن ينصح بالا يستخدم بكثرة حتى لا يضعف المعدة. والأهم من هذا كله أنه يحارب السمنة كما ذكرنا لغناه بالألياف ويمنح البشرة نعومتها ورونقها الطبيعيين ويمنع تجعدها. وتقول بعض الدراسات إن الحصرم يعزز جهاز المناعة في الجسم مما يحمي الفرد من الكثير من الأمراض، ويحمي من مرض السكري. كما يعتبر الحصرم من المواد التي تحارب حب الشباب وتقلل من ارتفاع ضغط الدم ودعم صحة القلب والكبد والطحال وحماية الشرايين من الانسداد، ويحمي من سرطانات المعدة والجلد والقولون.

بأية حال، فإن الحصرم مادة رائعة وحيوية ومتعددة الاستخدامات كما هو الحال مع العنب وفوائده الطبية والصحية جمة تحصى ولا تعد.


الأحد، 21 يونيو 2020

آداب وطقوس شرب القهوة في القاهرة العثمانية - ناصر ابراهيم

اكتسبت القهوة كمشروب اجتماعي أهمية كبيرة، وانعكس ذلك بوضوح في ازدياد شدة الطلب على البن في الأسواق المحلية والدولية على حد سواء؛ وكنتيجة لذلك أبدت الدولة العثمانية اهتماماً استثنائياً بـ «البن القهوة»، وخاصة بعد أن أصبح، خلال القرن السابع عشر، مشروباً شعبياً. وظهر أثر ذلك جلياً حين راحت الدولة تدرجه ضمن السلع المهمة التي أخضعتها لفرمانات الخط الهمايونية، تلك الفرمانات التي بدأ الباب العالي يصدرها تباعاً منذ الربع الأخير من القرن السابع عشر1؛ وذلك على أثر اتساع ظاهرة التهريب، وهي التجارة التي أظهرت الوثائق رواجها بصورة حدَّت بدرجة ملموسة من مفعولية تأثير فرمانات الخط2. وقدر أحد المراقبين المعاصرين في ستينيات القرن الثامن عشر الكمية المهربة إلى أوربا بأنها تراوحت بين أربعة وخمسة آلاف فرق بن؛ وهو ما مثَّل آنذاك ربع الكمية الواردة إلى مصر سنوياً 3.

2وحمل ذلك دلالة الأهمية التي تبوأتها هذه السلعة الاستهلاكية في العالم المتوسطي والعثماني على وجه الخصوص: فقد بات البن - في كل فرمانات الخط - قريناً بالقمح الذي هو أهم سلعة أساسية في القائمة الغذائية لرعايا السلطنة؛ أي أن القهوة، مقاربة بالسلع الضرورية الأخرى، اكتسبت قيمة نسبية خاصة؛ جراء ما حظيت به من أهمية في ترتيب اللقاءات والاجتماعات، وطريقة الاستقبال الرسمية وغير الرسمية، فضلاً عن دورها في التعبير عن الحفاوة والحميمية وواجب الضيافة، ومن ثم فقد تجاوزت دلالتها المادية كمشروب، وتبوأت عن جدارة سمات المشروب الاجتماعي المفضل على كل المستويات في تلك الحقبة.

  • 4 كارستن نيبور، رحلة إلى مصر، ص ٢٦٠.
  • 5 انظر تقرير نائب القنصل دروفتي إلى وزير الخارجية الفرنسية، بتاريخ (١٤ ديسمبر ١٨١٠)، المراسلة (...)

3وهذا يفسر لماذا لم يعدم الأهالي وسيلة في سبيل الحصول عليها بأسعار تناسب دخولهم، وكذا اتجاههم إلى ادخار بعض كميات منها تحسباً للظروف الصعبة التي كان يتعذر معها الحصول عليها. وحين كانت تظهر أزمة ما تنذر باختفاء البن من الأسواق أو بارتفاع سعره بشكل يتعذر على الأهالي شرائه، كانوا يسارعون بشتى الوسائل الممكنة لتدبير احتياجاتهم منه. وفي هذا السياق ترصد لنا المصادر المعاصرة حادثتين مهمتين: الأولى، في زمن الأمير الكبير إبراهيم كخيا (١٧٤٤ ‑ ١٧٥٥)، حين أقدم هذا الأخير على استغلال شدة الطلب على البن، بفرض رسوم جمركية مبالغ فيها، فاتجه أهالي القاهرة سريعاً إلى جلب البن عبر ميناء القصير، وهو الطريق البديل والمباشر الذي ذلل إمكانية الحصول على القهوة بسعر مناسب4. والحادثة الثانية، والتي تعكس الدلالة ذاتها، وقعت زمن حرب محمد علي باشا ضد الوهابيين في الجزيرة العربية، حيث تسببت الحرب في اضطراب حركة الملاحة التجارية بالبحر الأحمر، وحالت من ثم دون استيراد بن مخا باليمن، فكان أن اتجه الأهالي - بحسب تقارير القنصلية الفرنسية - إلى جلب كميات كبيرة من البن من جزر الأنتيل les Antilles 5؛ وذلك بواسطة التجار الأمريكان والإنجليز الذين أفادوا من أزمة بن مخا اليمني وحققوا أرباحاً غير متوقعة.

  • 6 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٤٢. وقد عمل كلوت بك طبيباً بمصر بين عامي ١٨٢٥ و١٨٥٨م.
  • 7 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٤٢.

4إن مثل هذه الوقائع وغيرها تشير إلى مدى تمسك الناس بالقهوة كمشروب مفضل وأساسى. وليس ثمة تعريف أكثر دلالة مما أطلقه كلوت بك (١٧٩٣ ‑ ١٨٦٨) على القهوة حين عرفها بـ «الشراب المختار عند المصريين»6. وإذا كانت القهوة متاحة للجميع، أغنياء وفقراء، بدرجات متفاوتة، إلا أنه من الثابت أنها تبوأت المكانة الأكثر أهمية في مجالس الوجهاء «أصحاب اليسار الذين كانوا يشربون منها في خلال النهار خمسة عشر فنجاناً بل وعشرين فنجاناً»7. إن قراءة المصادر المعاصرة تبين بجلاء أنها كانت بحق شراباً نخبويا أصيلاً لم يغب عن قاعات الاستقبال ببيوت الخاصة من الناس على تنوع أصولهم ومشاربهم.

إشكالية الدراسة

5تدور إشكالية الدراسة حول تحليل الآداب والطقوس التي تم نسجها حول فنجان القهوة، وفهم الظروف الموضوعية التي جعلت جماعة النخبة الحضرية أكثر الفئات الاجتماعية اهتماماً بصياغة المعايير والقيم التي تضبط سلوكياتها بهدف تحقيق تمايزها الاجتماعي المنشود. ولئن كانت عادة شرب القهوة قد ظهرت في جميع الطبقات الاجتماعية، وتحولها إلى ظاهرة واسعة الانتشار، واشتراك الجميع في الآداب العامة المتعلقة بها وبغيرها من السلع الاستهلاكية الأخرى، إلا أن ثمة فروقاً وتباينات سلوكية صنعت حدوداً فاصلة بين المجموعات الاجتماعية في طريقة شرب القهوة، يتعين تحليلها وقراءة دلالاتها وما ترمز إليه، في سياق يسمح بفهم الطريقة التي حددتها هذه الجماعة في رسم صورتها في عيون الآخرين المحيطين بها.

  • 8 يأتي أندريه ريمون في طليعة من اهتموا بدراسة البن وتجارته وطبقة التجار القائمة عليها، وذلك (...)

6إن هذا الطرح الإشكالي يجعل المعالجة معنية بدراسة سياق القيم الرمزية والطقوسية التي خلقتها القهوة حولها في آداب الاجتماع والاستقبال والضيافة، ومن ثم يخرج عن هذه المقاربة تناول الجوانب المادية والتجارية للقهوة وأدواتها8. وبعبارة موجزة يتحدد رهان الدراسة في إلقاء الضوء على الممارسة الثقافية لشرب القهوة؛ باعتبارها «نسق تواصلي وتبادلي»، «آداب وقواعد» ترتبط بمعتقدات وتحمل دلالات، «مواقف وسلوك» تحكمه معايير وقيم وتصورات وتمثّلات، وأخيراً وليس آخراً قيمة ما تعكسه في «ثقافة التمايز والإنفاق الشرفي».

7ولقد مرت القهوة بتطورات مرحلية، منذ ظهورها كعادة استهلاكية جديدة في مطلع القرن السادس عشر، مروراً بالقرنين السابع عشر والثامن عشر اللذين شهدا درجة واسعة من ابتكار التقاليد والطقوس والقواعد حول طريقة تقديمها، ثم ولوجها عالم القرن التاسع عشر في ظل ظروف مغايرة وتطورات سريعة وهائلة، أعادت هيكلة جماعة النخبة بصورة جذرية ووفق قيم ثقافية ومعايير جديدة جاء بها مشروع التحديث في حقبة محمد علي باشا وخلفائه، مما يثير التساؤلات حول ما طرأ على نسق تقديم القهوة من تغيرات موضوعية، وما استمر من منظومة الممارسات الثقافية والآداب والطقوس المصاحبة لها وتحدي إرادة التحديث وتوجهات المركزية الجديدة. كل هذا يجعل الإطار الزمني للدراسة، بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، ذا دلالة أساسية من زاوية اختبار مدى تأثر «ثقافة الاستقبال والضيافة» - ومحورها القهوة - بسياق التطورات التي مر بها المجتمع المصري بصفة عامة ومجتمع مدينة القاهرة على وجه الخصوص، والذي تركز عليه الدراسة باعتبار أن جماعات النخبة القاطنة فيه كانت أكبر كثافة وأكثر تمسكاً وولعاً بزخم التقاليد والآداب والطقوس.

القيمة الرمزية للقهوة في آداب الاستقبال والضيافة

  • 9 عبد المنعم شميس، قهاوي الأدب والفن، ص ١١.
  • 10 الفاسي، الرحـلـة، ورقة ٢٠٨‑٢٠٩؛ الورثلاني، نزهة الأنظار، ص ٢٦٨.
  • 11 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٥٢٠.
  • 12 ابن عبد الغنى، أوضح الإشارات، ص ٥٦٢.

8المعروف أن المجتمع التراتبي التقليدي تحتل فيه الدلالات والرمزيات موقعاً متقدماً؛ وليس غريباً أن القهوة كانت أحد أبرز السلع الاستهلاكية التي انطوت على رمزية خاصة في آداب الاستقبال والضيافة، لم ينلها أي مشروب آخر في مصر خلال الحقبة العثمانية، بما في ذلك «مشروب الشاي» الذي ظهر بعد الاحتلال البريطاني لمصر في عام ١٨٨٢م9: فعلى الرغم من أن الشاي تبوأ مكانة واسعة كمشروب اجتماعي شعبي إلا أنه لم يستطع أن يأخذ الأهمية الكبيرة التي نالتها القهوة كمشروب للوجهاء اكتسب نسقاً كاملاً من التقاليد والآداب؛ كما كان لها حضور واضح في مختلف المناسبات سياسيًا واجتماعيًا، فضلاً عن قبولها الواسع والذي جعلها تمثل أهم ما يمكن تقديمه لنزيلٍ أو ضيف، وذلك على مدار أربعة قرون على الأقل (بين القرنين ١٦ ‑ ١٩م) : فقد اعتبرت وسيلة لإظهار حسن الاستقبال والقيام بواجب الضيافة بصورة كريمة ومرضية تمامًا، إلى حد قد يُساء فهم وتقدير المضيف لضيوفه في حال لم يقدم لهم القهوة. وهذه الملاحظة سجلها مراقبان مغربيان «الفاسي والورثلانى» اللذين رصدا في تقرير رحلتيهما العديد من مظاهر الحياة الاجتماعية المصرية (في الربع الأخير من القرن الثامن عشر): فقد ذهبا إلى أن القهوة مثلت في بيوت الوجهاء سلعة أساسية في واجب الضيافة، وبيَّنا بأن تقديم الطعام، من دون القهوة، إنما كان يُشين صاحب البيت، ويجعله كما لو أنه لم يقدم شيئًا لضيوفه؛ لأن تقديم القهوة هو أكبر علامة لإظهار كرم المضيف لضيوفه. وكان أكثر ما أثار دهشتيهما «أن القهوة لو قُدّمَت من دون الطعام لكفت!»10. وحتى في حال توعك صاحب البيت وعدم قدرته على استقبال ضيوفه، كان من الشائن، حسبما يذكر ابن عبد الغني (نحو عام ١٧٢٨م)، أن يترك الضيوف ينصرفون قبل أن يتم تقديم واجب القهوة والشربات لهم11. وفي المقابل ترد بالمصادر المعاصرة عبارة «وأكرمهم بتقديم القهوة والبخور»12؛ كدلالة على أن تقديم القهوة صار يمثل أهم أصول استقبال الضيف وإبداء الحفاوة بقدومه.

  • 13 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٨‑٣٦٠.

9وبقدر ما بدت القهوة قادرة على أن ترمز وبشكل كامل لفكرة «الواجب الأدبى»، بقدر ما أنها كانت معبرة عن أصول الضيافة. لقد تمتعت إذاً بكثافة رمزية في حد ذاتها، أكثر من مجرد النظر إليها على أنها مشروب حاز درجة واسعة من القبول ثقافيا واجتماعيا. واستمرت هذه الظاهرة قائمة، تتسلل من جيل إلى جيل، خلال الحقبة العثمانية، حتى لنجد مراقبًا مخضرمًا مثل الطبيب الفرنسي الشهير كلوت بك (استقر بمصر بين عامي ١٨٢٥ ‑ ١٨٥٨م)، استوقفته مسألة القهوة، وأفرد لها مساحة من تحليلاته للممارسات الثقافية المتعلقة بها، ورأى أنها أضحت «عادة أصيلة» تحولت بمرور الوقت إلى «طبيعة ثابتة» في المجتمع المصري13؛ بمعنى أنها لم تعد ممارسة طارئة أو عرضية أو محدودة. لقد صارت القهوة والشُبُك معاً أهم ظاهرة اجتماعية مميزة للثقافة الشرقية القائمة حول آداب الاجتماع والضيافة والمؤانسة وشغل وقت الفراغ، وهو ما جعل هذين المشروبين بصفة خاصة حاضرين في قلب الآداب والعادات الخاصة بثقافة التواصل الاجتماعي والثقافي.

  • 14 أكمل الدين إحسان أوغلي، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، ص ٥٩٦.
  • 15 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ٢٠٥. على أن القهوة - بشهادة كلوت بك - كانت هي (...)

10وشكَّل ارتباط شرب القهوة بالغليون ظاهرة واضحة للعيان منذ أواخر القرن السادس عشر14، وتدعم هذا الارتباط بمرور الوقت، وصارت ممارسته تقليدًا لا غنى عنه. وفاضت قريحة المصريين بصياغة مثل بليغ عبَّر عن هذه المزاوجة التقليدية في الجمع بين المشروبين، رصدته كتابات إدوارد وليم لين: «التبغ بلا قهوة كاللحم بلا ملح»15. ولعل ذلك يفسر سبب الحرص الشديد من قبل جماعة النخبة على ألا تخلو بيوتهم يومًا من مخزون هذين المشروبين، وخاصة أن لقاءاتهم واجتماعاتهم داخل ساحات قصورهم الفارهة، وبأعداد كبيرة، كانت مشهدًا متكرراً، وبصورة أصبح معها من الأمور الشائنة أن تقصر يد أحد هؤلاء الأمراء والباشوات عن تقديم القهوة والتبغ لضيوفهم.

  • 16 جوفی ميكيله فنسليبو، تقرير الحالة الحاضرة لمصر 1671، ص ١٧٤.
  • 17 Hanna, La cuisine, p. 407

11ويبدو أن هذه المسألة الاعتبارية كانت وراء شيوع «ظاهرة ادخار البن والتبغ» التي تحولت في منظور تلك الطبقة إلى قيمة كبيرة في حد ذاتها، تشي بعلو المكانة والوجاهة. وبدأت هذه الظاهرة الاجتماعية تستوقف أنظار المراقبين الأجانب وذلك منذ القرن السابع عشر على الأقل: فالأب فانسليب (زار القاهرة سنة ١٦٧١م) بيَّن «أن من بين دلائل عظمة التركي في القاهرة أن يضع تحت تصرفه كميات كبيرة من القهوة والتبغ، وذلك بوصفهما سلعاً أساسية في تقديم واجب الضيافة لكل من ينزل به16. ولطالما أشارت المصادر إلى حرص البكوات المماليك على تخزين كميات كبيرة من البن في بيوتهم، وخاصة مع ارتفاع حجم الكميات المستهلكة منه يوميًا: فعلى سبيل المثال كان حجم الاستهلاك اليومي في قصر الأمير «يوسف كتخدا عزبان» (نحو عام ١١٤٣هـ/١٧٣٠م)، المشهور بكرمه وحسن ضيافته، عشرة أرطال من القهوة يوميًا!17.

  • 18 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٤٧٤ (على سبيل المثال راجع مشهد نهب بيوت كل من قاسم (...)

12إن ظاهرة ادخار كميات من البن إذًا فرضت نفسها داخل أروقة القصور المملوكية وبيوت النخبة القاهرية، وتجاوزت المعنى المادي لتنطوي على قيمة ثقافية رمزية في حد ذاتها. إن الإشارات التي ترد بالمصادر بشأن كميات البن المخزنة في بيوت البكوات تظهر لنا في لحظات مؤسفة، وذلك حين كان يتم هزيمة أمير مملوكي أو قتله ونهب بيته بكل محتوياته المادية: ففي تلك اللحظات الاستثنائية يسجل المؤرخون المعاصرون دهشتهم من حجم ما تمكن الحزب المنتصر من مصادرته ونهبه18 كما تعطينا وثائق تركات الأمراء المماليك المسجلة بالمحكمة الشرعية فكرة واضحة عن حجم ما كان يحوزونه من البن المخصص لاستعمالهم الخاص: فمثلاً رصد اندريه ريمون في تركة الأمير عثمان كتخدا القاذدغلي، المتوفى في عام ١٧٣٦م، ما قدره ٢٠٠ فرق بن! وكذا كانت الحال بالنسبة لمجموعات نخبوية أخرى، كجماعة العلماء؛ فالجبرتي (توفى في ١٨٢٥ م) يُطالعنا في يومياته، أنه عقب وفاة الشيخ السادات، وقيام محمد علي باشا بوضع يده على بيته، والتفتيش في أركانه ومخابئه، بحثًا عن أصول ثروته النقدية، وجدوا كميات كبيرة من «بن القهوة والصابون وشموع العسل» مخزنة في مخبأ سري.

  • 19 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٢١١ (نحو عام ١١١٨هـ/١٧٠٦م).
  • 20 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٤٤٢‑٤٤٣.
  • 21 الورثلاني، نزهة الأنظار، ص ٢٦٨؛ ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٥٤٣. ويبدو أن دلالة الكمي (...)
  • 22 الجبرتي، عجائب الآثار، ج ٤، (حوادث ١٣ رجب١٢٣٤ هـ).
  • 23 جون لويس بوركهارت، العادات والتقاليد المصرية، ص ١٢٦.

13إن هذه الإشارات تعطي دلالة ذات مغزى للأهمية النسبية التي انطوت عليها هذه السلع في حياة هذه النخبة التي ما برحت تدخر منها كميات مناسبة؛ تحسبًا لتلك الأوقات التي كان يحدث أن يشح توافرها بالأسواق. لقد كان الأهالي ينزعجون أيما انزعاج من الأوقات التي يعلن فيها عن تعذر مجىء البن من اليمن، تصل إلى حد إبداء الناس تشاؤمهم ممن يحكمهم من الباشاوات!19 ويبدو أن النظرة إلى ظاهرة ادخار كميات كبيرة من بن القهوة كعلامة مميزة للوجهاء والأثرياء، كانت وراء اكتساب القهوة، في المنظور الاجتماعي، قيمة اعتبارية؛ فصارت تقدم في المناسبات المختلفة على سبيل «الهدية المعتبرة» التي كان يحفل بها ويتلقاها برضى وافتخار كل من تقدم له : فتبين المصادر المعاصرة قيام البكوات المماليك بمهاداة بعضهم البعض، بكميات من بن القهوة خلال المناسبات والاحتفالات المختلفة التي شاركوا في حضورها20. كذلك كانت الحال عند إعداد أحدهم استضافة خاصة لأحد الباشوات، سواء في مناسبة توليه باشوية مصر، أو عند عزله واستعداده لمغادرة البلاد21. ومن بين ما أشار إليه الجبرتي من هدايا أرسلها محمد علي باشا لدار السلطنة صحبة «قهوجي باشا» كانت كميات من «بن القهوة»22. وهو ما يبين أن القهوة استعملت كوسيلة للتعبير عن القيمة التبادلية. ولم تقتصر هذه العادة على دائرة السلطة السياسية، وإنما شاعت كذلك بين عامة الناس؛ حيث أقبل الأهالي على تقديم القهوة إلى جانب «الشربات وقناديل الشمع» على سبيل الهدية والتحية في بعض المناسبات الاجتماعية الخاصة23.

القهوة مشروب نخبوي

  • 24 Hattox, Coffee and Coffeehouses, p. 75
  • 25 Geoffroy, « La diffusion du café », p. 13
  • 26 Âli, Mustafâ Âlî’s Description of Cairo, p. 37
  • 27 أوليا جلبي، سياحتنامة مصر، ص ٤٥٥.
  • 28 دي شابرول، دراسة فى عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين، ص ١٣٨ .
  • 29 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ٣٤٤.

14بدأت القهوة في رحاب الصوفية المحدود تُعرف كممارسة غريبة، إلا أنه لم يمض وقت طويل حتى أصبحت مشروبًا خاصًا بمجالس الذكر الصوفي، بيد أن تأثيراتها على الوسط الحضري، في القرن السادس عشر، ظلت - كما يذكر رالف هاتوكس - في أقصى حدودها الدنيا من الانتشار24. وبقطع النظر عن المسألة الجدلية بين تحريم شرب القهوة وإباحته، فإن تأثير مذاق القهوة كان قد فرض نفسه على الجميع، ودعمت الممارسات الصوفية Sufi practices شيوع الظاهرة التي وجدت، خارج مؤسسات الصوفية، مناخًا مناسبًا وموضوعيًا لانتشارها، وتردد على ألسنة الناس المقولة الشهيرة : «القهوة شراب أهل الله»25؛ لأنها تساعد على السهر وممارسة الذكر والمناجاة ليلاً. وعلى ما يبدو كان إضفاء أهمية خاصة للقهوة في الممارسات الدينية، قد جعل الناس يتحمسون لقبول هذا المشروب الجديد، ووفقاً لما جاء في تقرير الرحالة مصطفى علي (زار القاهرة في عام ١٥٩٩م) شاع اعتقاد بين الناس بأن احتساء المصلين اﻷتقياء لفنجان من القهوة إنما يُضيف حياة إلى حياتهم26. ولعل كتابة الرسائل الفقهية التي بينت فضائلها ومنافعها قد ساعدت على التعريف بها وبأهميتها. وعند نهاية القرن السادس عشر أصبحت القاهرة تعج بالمقاهي التي كانت يُقال لها «بيت قهوة»، ونحو منتصف القرن السابع عشر بلغ عدد المقاهي ٦٤٣ مقهى بالقاهرة27، وبعد قرن ونصف القرن (أي في نهايات القرن الـ ١٨م) بلغ عددها ١٢٠٠ مقهى28. ولم تزد كثيرًا على اﻷلف مقهى في عهد محمد علي باشا29. ويشير كل ذلك إلى انتشار القهوة والمقاهى، وبروز نشاطها في المجال الحرفي، حتى صارت جزءًا من نسيج المجتمع الحضري بالمدينة.

  • 30 Hanna, « Coffee Merchants », p. 97
  • 31 Hanna, « Coffee Merchants », p. 97
  • 32 محمد بن حسن بن عبد الله باش خليفة مستحفظان، الطريقة والأدب.
  • 33 Hanna, « Coffee Merchants », p. 98

15وإذا كان انتشار «بيوت القهوة» في شوارع وأحياء القاهرة قد بات واضحًا للعيان لدى المراقبين الأجانب عند نهايات القرن السادس عشر، فإنه من واقع سجلات التركات التي سُجلَ بها أدوات القهوة وعدد البكارج وأنواعها المختلفة التي عجت بها تركات المتوفيين، يتبين أن شرب القهوة، مع بدايات القرن السابع عشر، تجاوز الفضاء العمومي (المقاهي) إلى الفضاء العائلي، وبات يُمثل، بشكل واضح، حسبما تذكر نللي حنا، عادة أساسية في بيوت النخبة30. ويعني هذا أن استهلاك القهوة ظل زهاء قرن تقريبا في فضاء المقاهي قبل أن يتسلل ويأخذ مكانته الكبيرة في مجالس الاستقبال الخاصة، ويصبح - كظاهرة - مزاجًا عائليًا بالدرجة الأولى، ومع منتصف القرن السابع عشر صارت فناجين القهوة جزءاً أساسياً في شوار العروس Bride’s trousseau 31، ما أضفى عليها في النهاية طابعًا اجتماعيًا خاصًا. وأخذ شراب القهوة طريقه في الانتشار بشكل واضح داخل مؤسسات السلطة العسكرية التي حولته بمرور الوقت إلى أهم مشروب بروتوكولي أساسي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ووُضِعت له ترتيبات دقيقة لافتة للنظر، على النحو الذي حددت معالمه وقواعده مخطوط «الطريقة والأدب»، والذي ألقى الضوء على الجانب السلوكي والثقافي والتواصلي في حياة العسكر32. وفي خط متوازٍ، على ما يبدو، أخذت القهوة في الانتشار من الطبقات العليا إلى الطبقات المتواضعة القابعة في أدنى السلم الاجتماعي33.

  • 34 Coppin, Voyages en Égypte, p. 123
  • 35 جنيفر سكيرس، الثقافة الحضرية، ص ١٢.

16أجل إن شرب القهوة كان متاحًا للجميع، وكان الناس يشربونها بالمقاهي، إلا أن تناولها آنذاك كان فحسب على سبيل التسرية والتلذذ بها في بعض أوقات الفراغ34. بيد أن الأمر اختلف حين اقتحم المشروب موائد الوجهاء والأثرياء ومجالسهم؛ حيث جرى ابتكار طريقة خاصة في التناول والاستخدام، عبرت عن المكانة بقدر ما عبرت عن وعي هذه الطبقة بمكانتها المتميزة . واستغلت هذه النخبة إمكاناتها المادية في تهيئة المجال؛ لتدشين عدد من الطقوس التي ابتكرتها حول فنجان القهوة بالإضافة إلى تدخين الغليون الملازم لها أو بالأحرى المقترن بها، فارضة بذلك أسلوبها الخاص. ومن هنا أُدرِج احتساء القهوة والتدخين وسماع الحكايات والاستسلام لمباهج الحريم والموسيقى والغناء ضمن المظاهر الدالة على الحياة المترفة التي سادت داخل بيوت الطبقات الثرية، يقابلها الطبقات المتواضعة والفقيرة التي كانت تشقى وتكدح بحثاً عن قوت يومها؛ حيث الرجل (البسيط/العامي) كان يتوقف بقاؤه على عمله الدؤوب والشاق35.

  • 36 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٠٩‑٣١٠.
  • 37 اتضح ذلك من واقع مقاربته بين طبيعة شواغل وحياة الرجل الثري ونظيره في الطبقات ال (...)
  • 38 إدوارد لين، عادات المصريين، ص ١٤١.
  • 39 ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ج ١، ص ٧٥.

17وصار من بين أبرز المعايير العامة الدالة على الفرد المنتمي إلى «دائرة الوجهاء الأثرياء» مدى امتلاكه الإمكانية المادية لممارسة «ثقافة وقت الفراغ » التي كان تعاطي القهوة وتدخين الغليون ولعب الدامة والشطرنج مع الأصدقاء أو في الحريم تمثل أحدى ركائزها36؛ ذلك أن الطبقات الدنيا الفقيرة، من منظور أهل القرن التاسع عشر على الأقل، كانوا هم أولئك الذين من النادر أن تتوفر لهم القدرة على تناول طعامهم وشرابهم بمنزلهم مع الزوجة والأبناء؛ ومن هنا لاحظ المراقبون الأجانب أمثال إدوارد لين «ظاهرة تباهي» العديد من الرجال المنتمين إلى الطبقة الغنية بتناولهم الدائم لغدائهم وشرابهم مع زوجاتهم وأولادهم37، واعتبر بالفعل أن شراب القهوة والغليون في ساعات النهار في الفضاء العائلي الخاص كان واحدة من الكماليات الترفية، لا تتوفر للجميع الظروف المادية التي تسمح بذلك38. وسوف يكتب الطبيب الإيرلندي ريتشارد بيرتون (زار مصر في عام ١٨٥٣م) في إطار مقاربته بين موائد الأثرياء والفقراء في المجتمع المصري ما يعكس درجة التباين الطبقي استناداً إلى نوعية المواد المستهلكة ذاتها: «فالعوام الفقراء لا يكترثون عقب تناولهم لوجباتهم الأساسية سوى بشرب الماء، على حين أن الأغنياء بالقاهرة عادة ما يحرصون على شرب قدح من القهوة أو كوب شربات مع تدخين الغليون»39.

18وبداهة كان للوضع المادي قوة الحسم، لكن من ناحية أخرى يجب التأكيد على أن الدلالة الأساسية على قوة المجموعة الاجتماعية وتبوؤها أعلى مراتب السلم الاجتماعي، ليست في تحديد نوعية معينة من الأطعمة أو الأشربة التي تظهر على موائد أو في مجالس فئة دون أخرى، وإنما الدلالة الأكثر حسماً في التصنيف والتميز تظل مرتبطة بمدى القدرة المادية على تفعيل منطق الاستعراض المظهري والرمزي، وأيضاً من زاوية مدى الوعي بضرورة التميز وخلق الفواصل والحدود بين الطبقة التي ينتمون إليها وبين من كان دونهم في السلم الاجتماعي: فالممارسة الطقوسية حول تقديم القهوة (الراقية) تطلبت في أحد مظاهرها الأساسية توافر مجموعة كبيرة من الخدم الذين أنيطت بهم القيام بتمثيل الجانب الرمزي الكامل لعملية تقديم القهوة، كما تطلبت بالقدر نفسه توافر المكان المناسب للاستقبال ونوعية معينة من الأدوات المستعملة والتي كانت معبرة بشكل واضح وجلي عن مدى قوة ثراء المضيف ومنزلته الاجتماعية.

مقدمو القهوة: الوظيفة والدلالة الاجتماعية

19شكَّل وجود الخدم والعبيد ضرورة أساسية في بيوت جماعة النخبة، وكانت أقل الأعمال وأكثرها تفاهة يتعفف الواحد منهم عن القيام بها، وكان ذلك مما قضت به تقاليد أهل اليسار من الصفوة وخاصة قبل القرن التاسع عشر. وكان الإكثار من الخدم قد مثَّل ظاهرة جلية، فرضت نفسها في ظل تباري جماعة النخبة على ترجمة ما تحوزه من ثراء في امتلاكها لمثل تلك الأدوات والوسائل التي عبَّرت بها عن وضعها الاجتماعي بلغة هادئة لا تحتاج إلى ضجيج الكلام أو الدعاية والإعلان.

  • 40 De la Jonquière, L’expédition d’Égypte, p. 490

20وساد اعتقاد راسخ في الذهنية الاجتماعية أن قلة وجود الخدم أو انعدام وجودهم كان دالة كاشفة عن تواضع حال السيد صاحب البيت. وتحتفظ ذاكرة المصادر الفرنسية بحادثة لها دلالتها في تبيان مدى أهمية عدد الخدم. فقد حدث زمن الاحتلال الفرنسي، أنه حين وصل بونابرت إلى السويس (في ديسمبر ١٧٩٨) برفقة نخبة من كبار تجار القاهرة الأثرياء، كان أقل هؤلاء التجار يصطحب معه ثمانية من الخدم على الأقل: «فكان أحدهم يصنع القهوة، والآخر يحمل الغليون، والثالث يُعنى بالخيمة. وأبدى هؤلاء التجار دهشتهم لتواضع الجنرال القائد العام الذي يمتلك البلاد تحت يمينه، ومع ذلك لا يصطحب معه سوى ثلاثة من الخدم!40

  • 41 إسماعيل الخشاب، خلاصة ما يراد، ص ٤٤.
  • 42 الجبرتي، عجائب الآثار، ج ٣، ص ٣٠٨.

21ومن الواضح أن القهوة والغليون وتعدد الخدم جميعها ظهرت في المشهد كأدوات لا غنى عنها لإبراز رمزية الترفع عن الخدمة الذاتية، وهو ما كان يُعد قرينة على كل منتم إلى دائرة النخبة الثرية التي اعتادت الاعتماد على غيرها في قضاء كل شواغلها اليومية. إن القهوة والغليون بالنسبة لجماعة النخبة إنما يطرحان بقوة أهمية الدور الذي لعبه الخدم في حياة هذه المجموعة الاجتماعية. ومن ثم لم يكن غريباً، على سبيل المثال، أن اعتبر المعاصرون أن أهم علامة دلت الناس على تواضع أحوال المماليك، زمن الاحتلال الفرنسي، أن أعظم أمرائهم «صار يخدم فرسه بنفسه»41. إن وجود الخدم إذاً كان ضرورة في حياة تلك النخبة، اضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم كان مؤشرًا لا تخطئه العين على حدوث تحول في وضعيتهم ومكانتهم، والانعكاس السريع لذلك كان واضحاً جلياً في تغير الصورة الذهنية للمجتمع بشأن الوضعية المتميزة للسيد المملوكي الذي لم يعد عند مطلع القرن التاسع عشر يتمتع بالقوة والنفوذ ولا بالثروة والمكانة التي كان عليها في السابق. إن مراقباً حاذقاً مثل الجبرتي لم يفته تسجيل الحالة السيكولوجية المتدهورة للأمراء المماليك، وهم يحاولون إخفاء حقيقة أحوالهم المادية المؤسفة، وأن حرصهم على هيئتهم التي أبهرت الوزير العثماني (١٨٠١م) كانت فوق طاقة تحملهم «فغالبهم [كان يعاني] من التفليس ولا يملك عشاء ليلته فضلاً عن كونه يقتني حصانًا وشنشارًا وخدمًا ولوازم لابد منها ولا غنى للمظهر عنها»42.

  • 43 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص١٤٠.

22كذا الحال خارج دائرة السلطة، كان الخدم المكلفون بإعداد القهوة والغليون، فضلاً عن الأعباء المنزلية الأخرى، يلعبون في حياة الأعيان (الميسورين) دوراً واضحاً في إظهار المكانة الشرفية؛ فقد لاحظ إدوارد لين أن من دواعي الفخر والمباهاة للمصري «أن يمشي الهُوينا مزهوًا متفاخرًا بعبده الأسود الذي يسير وراءه ويحمل له غليونه»43.

  • 44 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٢٧٩.
  • 45 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٥٥٢.

23ولفت كلوت بك الانتباه إلى أن السادة كانوا يعمدون إلى شراء الخدم صغاراً؛ ليعملوا على تلقينهم آداب الخدمة القائمة على وجه الخصوص حول كيفية تقديم القهوة والغليون وتهيئة المكان: «فكان الواحد منهم يشتري عبداً ثم يبدأ بتعليمه فروض الدين وإيقافه على قواعد القراءة والكتابة حتى إذا شب وترعرع وكل به أمر تعمير شبكه أو تهيئة قهوته أو تجهيز فرشه - أي جعله إما شبكجيًا أو قهوجيًا أو فراشًا»44. ولعل فكرة شراء الخدم صغاراً كانت أيضاً بقصد غرس قيم الأمانة والشرف والتفاني في خدمة السيد الذي لا يضن بماله وكرمه عليهم؛ وذلك بالنظر إلى أهميتهم البالغة وخطورة استخدامهم في حياكة المؤامرات ضده؛ وفي هذا السياق يمكن أن نفهم لماذا كانت العادة تقضي بأن يقوم القهوجي أمام الحضور بتناول رشفة من الفنجان أولاً قبل أن يناوله لسيده وضيوفه45.

  • 46 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٤١٢‑٤١٣.
  • 47 Fleiscmann, Roustam Mameluck de Napoléon, p. 46

24والمعروف أن القهوة لطالما استخدمت كوسيلة هادئة للتخلص من الخصوم والشخصيات غير المرغوب فيها، وكان البكوات المماليك حذرين عند تناولها، وفي هذا السياق يذكر ابن عبد الغني - على سبيل المثال - أنه خلال المنافسة التي كانت محتدمة بين الأميرين زين الفقار بك وجركس بك (خلال عام ١٧٢٤م)، حين نزل الأول ببيت منافسه، استقبله أحد المماليك معتذراً بأن سيده في الحريم، ومقدماً إليه فنجان القهوة على سبيل القيام بواجب الاستقبال؛ ففهم على الفور زين الفقار المكيدة ففز قائماً وغادر المجلس سريعاً46. وكان الخدم والمماليك الذين يتورطون في خطأ يدين أو يلحق الإساءة بسيدهم، يعلمون جيداً أن أمراً بتقديم القهوة لهم يعني النهاية بموتهم في الحال، وإذا تجاوز هذه الوسيلة وعمل على التخلص منهم بطريقة تحفظ حياتهم، عُدَّ ذلك دلالة سماحة وكرم من السيد إزاء عبيده ومماليكه. وفي هذا السياق نفهم مقولة المملوك رستم (مملوك الشيخ البكري) في مذكراته، حين توقع تخلص سيده الشيخ منه بتقديم القهوة جزاءً لهجاء ما نشره عنه من معاقرته الخمر، بيد أن الشيخ تخلص منه بإهدائه لبونابرت، فسجل رستم شهادته بأن «الشيخ كان رجلاً أميناً؛ فلم يعرض قط على مماليكه [الذين لَفَظَهم] قهوة تركي»47.

  • 48 لعل مذكرات نوبار باشا الذي تولى منصب رئيس نظار مصر ثلاثة مرات في فترات مختلفة وقعت بين (...)
  • 49 نوبار باشا، مذكرات نوبار باشا، ص ١١٩.

25وتحولت هذه الممارسة (البغيضة)، في القرن التاسع عشر، إلى ظاهرة متكررة، يعرفها جميع المشاركين في السلطة، ويتحرزون من الوقوع تحت طائلة خدعتها القاتلة48. ويذكر عن محمد علي باشا على سبيل المثال أنه كان يتظاهر بالتمنع عن شرب القهوة بزعم أنها غير نظيفة؛ ولا يشربها حتى يُكَرر له خادمه في كل مرة يطلب فيها احتساء فنجان القهوة عبارة «فلأحرم من استعمال ذراعي وساقي، وأن أظل طوال حياتي أهيم على وجهي أتسول من الناس عبر الطرقات إذا لم يكن هذا الماء نظيفًا» بعدها يتناول الباشا القهوة49.

  • 50 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣١٣.
  • 51 الراهب سيمون، رحلة الراهب سيمون، ص ١٠٦.
  • 52 أوليا جلبي، سياحتنامة مصر، ص ٥٢٦.
  • 53 الجبرتي، عجائب الآثار، ج ١، ص ٤١٤.
  • 54 أحمد الدمرداش كتخدا عزبان، الدرة المصانة، ص ١٧١.

26وارتبط بظاهرة الإكثار من الخدم الاتجاه نحو تقسيم العمل، فكان لكل فرقة من الخدم اختصاص في مزاولة عمل لا يتعين تجاوزه؛ فهو بمثابة «صناعة له لا يجوز أن يتعداها إلى غيرها»50. وبداهة كان التخصيص مقصوداً في حد ذاته لاستعراض جانب مهم من قوة الثراء. في هذا السياق كانت جماعة النخبة تحتكم في بيوتها على عدد معين من الخدم، ولا غرو أن «القهوجية» كانوا في مقدمة هؤلاء الخدم، لا يقومون بعمل سوى إعداد القهوة وتقديمها، وكان يطلق عليهم «مقدمو القهوة»51، وهم بخلاف «الشبكجية» الذين لا عمل لهم سوى تجهيز الشبك ووضع الدخان وتقديمها إلى السيد ورفقائه... إلخ. وعلى ما يبدو كان هذا التخصيص معبراً عن ثقافة عثمانية: ففي سرايا الباب العالي باستانبول كان يوجد موظف يدعى «قهوجي باشي» مختصاً بخدمة إعداد القهوة داخل البلاط السلطاني52. وفي القاهرة سار الوزراء الباشاوات على النسق نفسه؛ فكان يعمل لدى باشا القاهرة ذات الموظف «قهوجي باشا» ضمن مجموعة كبيرة من الخدم، أُطلِق عليهم «فراشو الباشا»53. وتوضح المصادر الأدبية أن كل بيت مملوكي بالقاهرة كان به «قهوجي» (وأحياناً يُطلق عليه الاصطلاح المملوكي الكلاسيكي «الشرابدار»54)، يتولى القيام بخدمة إعداد القهوة كذلك.

  • 55 Coppin, Voyages en Égypte, p. 322

27وسجل نائب القنصل الفرنسي جان كوبان (١٦٤٦ ‑١٦٣٨) تفاصيل دقيقة للمشهد الطقوسي المقترن بعملية تقديم القهوة، وذلك لدى استقباله بديوان أغا الإنكشارية، والتي أخذت بلبِّه روعة مشهدها؛ فكتب يقول: «استقبلنا الأغا بالديوان الذي كان مفروشًا بسجادة رائعة الجمال، وبعد وقت قليل من حفاوة الاستقبال، أمر بأن يحضروا لنا الشربات والقهوة. فجاء أربعة من الخدم يرتدون الدُّولِمان Dolimans (وهو معطف واسع عند الإبط ضيقهما عند الرسغ)، مصنوع من قماش الكتان الأبيض الرقيق، ويتمنطقون بأحزمة من الستان الأحمر الموشى بالذهب، وعلى رؤوسهم طواقي من القطيفة المخملية، تدور حولها عمامة صغيرة من قماش القطن الرقيق، ويرتدون الكلسون الطويل ذي اللون الأرجواني الواصل حتى الأقدام، وينتعلون حذاءً مدبب الطرف مصنوعاً من الجلد الأصفر. وعلى حين قدم اثنان من هؤلاء الخدم فوط من الحرير إلى سيدهم، وجدتهما يجثوان أمامي على ركبهما، فيما قدم لنا الاثنان الآخران مشروب القهوة في فناجين البورسلين (الخزف)، مع جلوسهما كذلك على ركبهما، وبعد ثلاثة أرباع الساعة من الزيارة غادرت المكان في رفقة الأغا»55.

  • 56 أحمد الدمرداش كتخدا عزبان، الدرة المصانة، ص ١٣١.
  • 57 أحمد الدمرداش كتخدا عزبان، الدرة المصانة، ص ٢٣٢.
  • 58 أحمد الدمرداش كتخدا عزبان، الدرة المصانة، ص ١٧١.
  • 59 محمد بن حسن بن عبد الله باش خليفة مستحفظان، الطريقة والأدب، ورقة ٤٠ أ.

28لقد بدا جلياً أن الترتيبات المتعلقة بتقديم القهوة كانت أهم في الحقيقة من القهوة في حد ذاتها كمشروب، وأن النسق المستند إلى هيئة الخدم وملابسهم الخاصة الموشاه بالذهب (وفي حال الجواري بالمجوهرات) والألوان الرائعة الملفته للنظر، كانت قادرة على خلق انطباع دائم بتميز الوضع الاجتماعي لطبقة العسكر التي شكلت عماد جماعة النخبة القاهرية حتى نهاية القرن الثامن عشر. ومن هنا اكتسب «القهوجي» ومساعدوه في البيت المملوكي أهمية خاصة، حتى إنه في الأوقات التي اضطر فيها بعض البكوات، لسبب أو لآخر، إلى مغادرة القاهرة، كانوا يحرصون على الإتيان بالقهوجي وإمداده بأدواته «بكرج وإبريق وآلة قهوة»56 ليتولى اصطحابهم طوال فترة غربتهم (الاضطرارية)؛ فلم يكن يتصور أن يستغنى عن خدمة «القهوجي» حتى في أحلك اللحظات العصيبة التي تنقلب فيها كل الحظوظ السياسية للأمير المملوكي57. وبصورة قاطعة أكد صاحب «الدرة المصانة» أن القهوجي/الشرابدار كان عليه أن يصحب سيده في كل الأوقات: «يركب خلفه فين ما راح»58. والشيء نفسه داخل نظام الأوجاقات؛ فوفقاً لما نصَّ عليه كتاب «الطريقة والأدب» كان يتعين على «سراج الكتخدا» المسؤول عن تنظيم مائدة الطعام وتقديم القهوة، اصطحاب أستاذه الكتخدا إينما سار «إن كان في الباب أو في البيت»؛ أي داخل الوجاق بالقلعة أو خارجه59.

  • 60 ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص ٦٤

29على أن مسألة اصطحاب الخدم سوف تصبح، في القرن التاسع عشر، لدى أعيان الطبقة الوسطى القاهرية بمثابة ظاهرة شائعة؛ حيث باتت ترمز لعلو المقام والوجاهة الاجتماعية. وهذه الملاحظة سجلها «ريتشارد بيرتون» الذي لاحظ قيام الأعيان بصورة دائمة باصطحاب العبيد أينما ساروا أو حلوا60. لقد كان ذلك ولا غرو مؤشرًا على الحاجة السيكولوجية لتأكيد «الفوارق الظاهرية» في عيون الآخرين.

  • 61 جينيفر سكيرس، الثقافة الحضرية، ص ١٠٦؛ ماري آن فاي، الأواصر الرابطة، ص ١٧٥‑١٧٦.
  • 62 ومن ذلك حرص مراد بك، وهو بالصعيد، على تزويد قصر زوجته الست نفيسة بالأزبكية بحاجتها (...)

30ودارت حياة اجتماعية موازية في القسم الذي يعرف «بالحريم العالي»، وكانت غالبية سيدات الطبقة العليا، في العصر العثماني، يُخصصن يومًا في الأسبوع؛ لاستقبال دائرة واسعة من الصديقات في الحريم61. وكانت سيدات هذه الطبقة الراقية يفضلن شراب القهوة، ويجعلنه على رأس قائمة ما يُقدم من مشروبات. ومثلما كان البكوات حريصين على تزويد «المطبخ الرجالي» بالقهوة، كانوا يمدون كذلك «مطبخ الحريم» بكميات كافية من البن، وحتى خلال الأوقات المضطربة والصراعات السياسية التي اضطرتهم أحيانًا للرحيل وترك الحريم في قصورهن بالقاهرة، لم يهملوا هذا الواجب؛ مما يبين أهمية شرب القهوة لدى الحريم العالي62.

  • 63 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣١٤.
  • 64 دي شابرول، دراسة فى عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين، ص ١٠٨.

31وبداهة كان يعمل لدى نساء الطبقة الراقية الخادمات العاملات؛ فوفقًا للعادات لا يتخذ الرجال أبدًا لخدمتهم خدمًا من النساء، وكذلك النساء لا يتخذن لخدمتهن خدمًا من الرجال63. وفي الغالب كانت الخادمات من نفس جنس سيدتهن، وكن يتعهدن العناية بأمور الضيافة، وكانت الجارية، المكلفة برعاية «واجب الضيافة»، هي التي تأمر بإعداد القهوة والشربات في الحريم64. وبداهة كان تقسيم أعمال الخدمة واختلاف نسبة عدد الجواري والإماء من بيت إلى آخر؛ متوقفاً على درجة ثراء صاحب البيت والفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

  • 65 أندريه ريمون، الحرفيون والتجار، ج ٢، ص ٩٢٩‑٩٣٩.

32والمعروف أن جماعة النخبة العسكرية، بوصفها طبقة مترفة تملك السلطة والثروة وقوة النفوذ، كانت تقف على رأس السلم الاجتماعي (حتى مشارف القرن التاسع عشر)، ومن هنا كانت طرق حياتها ومستويات القيم عندها هي المعيار الذي يقاس به مركز الفرد في المجتمع. وكان تشديد الطبقة المملوكية على محاولة قصر امتياز امتلاك العبيد والجواري والخيول على جماعة النخبة العسكرية، واحدة من الموضوعات التي لطالما أثيرت مراراً وتكرارًا، لكنها باءت بالفشل، وظلت كل من جماعة العلماء وكبار أعيان التجار تُجاري الطبقة العسكرية في امتلاك المماليك والخدم بفضل ما احتكموا عليه من ثروات كبيرة، فضلاً عن تداخلهم مع الطبقة العسكرية نفسها في مصاهرات وعلاقات حميمية وتبادل للمصالح المادية65.

  • 66 أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ص ٧٦٤.

33وتصبح جماعة الصفوة، من ثم، بأعمدتها الثلاثة (عسكر وتجار وعلماء) معبرة فيما بينها عن طريقة خاصة في الحياة، كانت ولا شك متقاربة نسبياً في كثير من الجوانب المظهرية، وذلك بفعل ما أطلق عليه أنتوني غِدِنز «النزوع للتقارب» Compulsion of proximity والذي قصد به «وجود حاجة للأفراد إلى التفاعل مع الآخرين ومحاكاتهم في أوضاع وِجاهية».66 ولعل ذلك يفسر لماذا كانت طقوس وآداب تقديم القهوة تمثل نمطًا اجتماعياً متقاربًا نسبياً بين جماعة «الصفوة التقليدية» التي دارت حياتها في الغالب حول البذخ والترف واستعراض الوجاهة أكثر من أي شيء آخر.

  • 67 ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص ٦٣. كذلك ورد ذات المصطلح «الخدم الأحرار» عند إدوارد وليم (...)
  • 68 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ١٤٠.

34وإذًا فإن مسألة توافر فئة الخدم انطوت على كثير من الأهمية في كشف سلوكيات هذه النخبة في التعبير عن نفسها ومكانتها وحاجاتها الأساسية والترفية على حد سواء. وليس أدل على ذلك من أنه حتى في حال عتق الأتباع من الخدم والعبيد، كان سادتهم - في كثير من الأحيان - لا يستغنون عن استمرارية دورهم في رعاية الواجبات التي تحفظ لهم الوجاهة وانتظام أمورهم اليومية: فقد لاحظ ريتشارد بيرتون وجود فئة أطلق عليها «الخدم الأحرار»؛ وهم أولئك الذين يلازمون سيدهم، ولا يُكلفون بشيء، بعد عتقهم، سوى قيامهم بإعداد القهوة، وحشو الغليون بالتمباك، ومرافقة سيدهم عند خروجه، وتدليك قدمه عندما يستريح في القيلولة وذب الذباب عنه»67. والأمر كذلك ليس قصراً على الرجال: فنساء الطبقة العليا المملوكية كن يحتفظن بعلاقة مشابهة مع السيدات اللاتي كن من قبل إماء لديهن، وبذات التركيبة الوصفية أطلق عليهن إدوارد وليم لين اصطلاح «الخادمات الحرات»68. وكان الواجب الاعتباري يُشكل قوة معنوية تلزمهن بمتابعة سيدتهن في أي أمر تريده.

القهوة وتباين الإمكانات المادية للاستقبال والضيافة

35تحيلنا دراسة آداب وطقوس شرب القهوة إلى الالتفات لمجموعة من الأدوات أو العناصر المادية التي تشكل في حد ذاتها مؤشراً على «أهل الاعتبار والحظوة» الذين أولِعوا بأن يُضفوا على سلوكياتهم اليومية والقيم التي كانوا يؤمنون بها طابعاً تميزياً خاصاً، كان من بين ذلك ما نسجته من طقوس حول احتسائها لفنجان من القهوة، مقارنة بحال الطبقات الأخرى التي لم تتوافر لها الإمكانات ذاتها، والتي اتسمت ممارساتها في كل الأحوال بالطابع العملي غير المتكلف. ومن المؤكد أن الوعي الطبقي للنخبة بموقعها على رأس الهرم الاجتماعي، وحساسيتها المؤثرة والمفرطة في كثير من الأحيان إزاء تمسكها بالتمييز سلوكاً وقيماً، كان قد جعلها تبالغ في الوسائل المادية الملموسة التي تعمل على تجسيد التفاوت الطبقي بصورة مرئية وملحوظة. في هذا الإطار لم يعبر فنجان القهوة عن حاجة مادية مباشرة، وإنما عبَّر عن حاجة طبقة إلى خلق تقاليد خاصة، تجسد هويتها وشخصيتها ومكانتها في المجتمع. وهذا ما نريد التوقف عند دلالاته في ضوء ما توافر لنا من معلومات رصدتها عيون المراقبين المعاصرين.

  • 69 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ١٤٨.
  • 70 ريتشارد بيرتون، رحلة بيرتون، ص ٦٩.

36وتمثلت أولى تلك الوسائل المادية في مدى توافر القدرة المادية على الاستقبال لأعداد كبيرة داخل البيت، وتصميم قاعات متعددة خاصة للاستقبال وإعدادها؛ بحيث يمكن معها الجزم بأن توافر أو عدم توافر هذا الشرط المادي يصبح مؤشراً دلالياً على وضعية الفرد/الجماعة في المجتمع؛ والمصادر تؤكد ذلك بوضوح : فالمصري من الطبقة الدنيا، الذي لا تسعفه ظروفه المادية لاستقبال ضيوفه داخل منزله، كان يستقبل أصدقاءه ويحتسي معهم القهوة، متبادلاً أطراف الحديث بكل بساطة أمام منزله أو على مصطبة دكانه69 ويعطي الطبيب بيرتون نموذجًا لشيخ فقيه زمن محمد علي باشا، كان يتكسب قوت يومه من عمله بالعطارة. وكان بيرتون يتردد في المساء على حانوته، في صحبة صديق له، فيشير إلى أنه كان يقوم بنفسه بإعداد القهوة لهما وتحليتها من أقماع السكر في دكانه الصغير، كما قام بإعداد الغليون الذي أحضراه معهما إليه، وجلسوا جميعًا على مصطبة الدكان يرتشفون القهوة مع الغليون70.

  • 71 أندريه ريمون، جغرافيا الأحياء الارستقراطية، ص ٢٠٩‑٢١٠، وهامش رقم ٣٢، ص ٢١٨. ومما (...)
  • 72 أوليا جلبي، سياحتنامة مصر، ص ٦٣١.
  • 73 الجبرتي، عجائب الآثار، ج ٤، ص٤٩. إن مقولة الأمير مراد بك وهو يصف كثرة مماليك تابعه الأل (...)
  • 74 Rousseau, Kléber et Menou en Égypte, p. 357-358

37هذه الصورة البسيطة للاستقبال لدى الشرائح المختلفة من أبناء الطبقة الدنيا والمتوسطة وحتى من أسماهم الجبرتي بـ«مساتير الناس»، يقابلها صورة مغايرة تمامًا لدى «أهل اليسار المعتبرين»، لاسيما جماعة النخبة العسكرية منهم، الذين كانوا يحرصون على تشييد القصور الفارهة؛ انطلاقاً من فرضية أساسية بأن البيت في النهاية كان تعبيراً عن مركز القوة والهيبة71. إذ إن كثرة المماليك الأتباع والخدم والجواري والخيول تطلبت بالأساس ضرورة الحرص على كبر مساحة البيت وتوفير عدد كبير من غرف الاستقبال مع تزويدها بكل وسائل الراحة والرفاهية. وتبين المصادر التاريخية في مناسبات مختلفة، كيف أن أعداد المماليك لدى أبرز القادة البكوات وكبار عسكر الأوجاقات العثمانية كانت من الكثرة، ومع ذلك كانت غرف الاستقبال الكبيرة والمتعددة تستوعبهم بصورة معتادة : فعلى سبيل المثال أشار أوليا جلبي إلى أن قصر ذي الفقار بك أمير الحج، وهو أحد أهم بكوات المماليك في القرن السابع عشر، كان بالغ الضخامة والاتساع، وكان ديوان الاستقبال بقصره مبنيًا على ستة وأربعين عموداً، يسع لألفي رجل من أتباعه، يتناولون على مساطبه الطعام وشراب القهوة في كل يوم72. وذكر الجبرتي أن محمد بك الألفي (المتوفى في ١٨٠٧م) كان يجتمع عنده من مماليكه وجواريه نحو الألف مملوك خلاف الذي عند كشافه، وهم نحو الأربعين كاشفاً، الواحد منهم دائرته قدر دائرة صنجق من الأمراء السابقين»73. وفي أحد التقارير التي تعود إلى سبتمبر ١٨٠٠ (أي خلال احتلال الفرنسيين لمصر) كتب الجنرال مينو إلى وزير الخارجية الفرنسية بأن عدد مماليك إبراهيم بك وحده يصل إلى نحو ١٥٠٠ مملوك74. وإذا ما افترضنا الصحة النسبية لمثل هذه الأرقام، فإنه يتعين علينا أن نتصور أن عملية الاستيعاب كانت ضرورية، وكانت بالقدر نفسه واحدة من الشواغل الأساسية التي اضطرت البكوات الكبار إلى توسعة قصورهم وامتلاك عدد من البيوت الكبيرة لخدمة هذا الغرض.

  • 75 نللي حنا، «التغير في الهيكل السياسي»، ص ٨٦ .

38ومما زاد من أهمية هذا الأمر حدوث تحول طرأ في القرن الثامن عشر على بنية السلطة نفسها، وتسبب في تغير وظيفة القصور المملوكية، على نحو ما لاحظته نللي حنا في دراستها لهذه الظاهرة: فلم تعد جلسات الديوان في ذلك القرن تعقد بالقلعة، ولكنها باتت تعقد في بيوت كبار البكوات المماليك، تحت مسمى اصطلاحي عُرِفَ «بالجمعية» التي كانت بمثابة مجالس سياسية، يصدر عنها أهم القرارات السياسية. واقتضى هذا بالضرورة اتساع المكان وتوفر كل الإمكانات المتاحة لاستقبال الأعداد الكبيرة، وذلك على الأقل في بيوت أبرز القادة البكوات. والمعروف أن اجتماعات هؤلاء البكوات كانت تطول النهار بأكمله، ويستضيف خلالها الأمير المملوكي الكبير كل من حضر الاجتماع، مقدماً لهم كل الاحتياجات المادية من طعام وشراب، بل قد يحدث في ظروف معينة أن يناموا عنده75.

  • 76 نللي حنا، بيوت القاهرة، ص ٧٦.
  • 77 نللي حنا، بيوت القاهرة، ص ٧٨؛
  • 78 نللي حنا، بيوت القاهرة، ص ١٠٠.

39وتشير نللي حنا في دراستها لبيوت القاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى أنه من بين ٦٠٢ غرفة في ٦٢ قصراً وبيتاً كبيراً، كان ١١١ غرفة منها مخصصة للاستقبال76، وكان يوجد بغرف الاستقبال داخل بيوت وقصور المماليك أماكن ثابتة للمشروبات: ففي حوش القصر كان يوجد «مدق بن»، وفي الطابق الأول كان يوجد مكان صغير لإعداد القهوة يسمى «بيت قهوة» كان يقع بالقرب من غرفة الاستقبال المعروفة «بالمقعد» أو «القاعة» 77، على حين كانت البيوت المتواضعة لا تتضمن إلا القليل من غرف الخدمة، ولا توجد بها غرف للاستقبال78.

  • 79 دي شابرول، دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر، مج ١، ص ١٣٨.

40ومن هنا كان اعتماد أصحاب البيوت المتواضعة والمتوسطة على المقاهي، الموزعة على الأحياء الرئيسة بالمدينة، اعتماداً أساسياً؛ وذلك بوصفها متنفسًا اجتماعيًا ومكانًا بديلاً وممكنًا للتلاقي والاجتماعات. والدلالة الأساسية هنا أن الطريقة الخاصة في الاستقبال ومراعاة طقوس وآداب تقديم القهوة ظلت قريناً بالبيوت الكبيرة؛ وذلك بالنظر إلى ارتفاع كلفة إعداد المكان وتوفير الخدم والأدوات اللازمة للاستعراض الرمزي. وكلما زاد الإنفاق (الشرفي) على مثل هذه الوسائل المادية، كان ذلك دلالة ملموسة لعلو الرتبة والمكانة، على حين اتسم تقديم القهوة على مصاطب المنازل المتواضعة أو في المقاهي العامة بالطابع العملي البسيط. وقد استوقف المراقب الفرنسي «دي شابرول» بساطة طريقة تقديم القهوة في المقاهي التي غاب عنها المشهد الرمزي للطقوس المعتاد ملاحظتها في قصور الأثرياء؛ «فالمقاهي ليس بها أثاثات على الإطلاق وليس ثمة مرايا أو ديكورات داخلية أو خارجية، فقط ثمة منصات (دكة) خشبية تشكل نوعًا من المقاعد الدائرية بطول جدران المبنى، وكذلك بعض الحصر من سعف النخيل، أو أبسطة خشنة الذوق في المقاهي الأكثر فخامة، بالإضافة إلى بنك خشبي عادي بالغ البساطة، وهناك يضطجع المترددون على الحصر التي تغطي تلك المنصات الخشبية...»79.

  • 80 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ١٤٥.
  • 81 دي شابرول، دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين، مج ١، ص ١٣٨؛ الجبرتي، تاريخ مدة ال (...)
  • 82 أوليا جلبي، سياحتنامة مصر، ص ٥٨٦.
  • 83 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٦١.

41كذلك كانت طريقة إعداد القهوة ذاتها تختلف من فئة اجتماعية لأخرى جعلت مستشرق مثل إدوارد لين يتوقف عندها، ويهتم بشرح التباين في طريقة تحضيرها لدى الطبقة الوسطى والغنية، فقد لاحظ «أن الميسورين من المصريين يُطَعمِّون قهوتهم أحيانًا بشذا العنبر، فيعمدون إلى إضافة بعض منه في وعاء القهوة... ويعتمد هذه الطريقة كل من يتذوق شرب القهوة مُطعّمة بهذه النكهة العطرة؛ وهم لا يُشركون كل زائريهم بهذه الحظوة»80. وفي المقابل كان من المستهجن تماماً إضافة السكر إلى القهوة؛ إذ كان ذلك يثير السخرية81؛ وكان العنبر وماء الورد من المواد التي عادة ما تقترن بتقديم القهوة في واجبات الضيافة بقصور الباشاوات وبكوات المماليك. وربما كانت أصول هذه الممارسة منقولة عن الأوساط الصوفية التي كانت تحرص على تقديم القهوة «المجوهرة المطنطنة» بتعبير أوليا جلبي، مصحوبة بنثر ماء الورد وماء البخور وغيرها من المياه العطرية المعبأة في قوارير خاصة، مع حرق «العود العنبري» في مباخر تتعطر بعطره أدمغة المريدين عشاق الطريقة82. ومثلما كانت القهوة يُضاف إليها شيء من العنبر لإكسابها نكهة خاصة، كان أجود أنواع التبغ يُخلط كذلك بقطع صغيرة من العنبر، فضلاً عن إضافة ماء الورد إلى النرجيلة، فيكون الدخان عندما يحترق التبغ والعنبر بقطع الفحم الصغيرة عطري الرائحة محبوبًا في الشم83.

  • 84 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ٢٠٦.

42وتعددت استخدامات العنبر خلال استعراض واجب الضيافة؛ فلم يقتصر على إضافته للقهوة والتبغ فحسب، ولكنه استخدم كذلك كأحد أبرز مواد التبخير(التي تفوح منها رائحة زكية)، يحرص الأغنياء على إضافته «للمبخرة» التي يعمدون تركها لآخر الزيارة، فيحملها الخادم أو سيد المنزل الذي ينفخ الدخان في وجه ضيفه ولحيته بيده اليمنى، وذلك بعد الانتهاء من شراب القهوة والدخان. ويشير لين إلى أن «العنبر يُقتصر استعماله على منازل الأغنياء والميسورين لغلاء ثمنه»84.

  • 85 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ١٤٥‑١٤٦.
  • 86 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٨.
  • 87 صوفيا لين بول، حريم محمد علي باشا، ص ١٣٢.
  • 88 صوفيا لين بول، حريم محمد علي باشا، ص ٢٨٣.

43والملاحظة نفسها يقدمها لين بالنسبة «للظرف» الذي يوضع فيه الفنجان، وكذا الحال في نوعية «إبريق القهوة» الذي إما أنه كان مصنوعًا من النحاس أو الفضة، ومرد التباين - على حد قوله - إلى «الظروف المادية لصاحب الفنجان»85. وأشار كلوت بك إلى أن ظرف الفنجان قد يصنع من الذهب أو الفضة، وقد يحرص الأغنياء أحيانًا على ترصيع ظروف الفناجين بالأحجار الكريمة، بينما عند الفقراء يكون الفنجان من الخزف الصيني والظرف من النحاس86. واسترعت الملاحظة نفسها انتباه صوفيا لين؛ وذلك لدى زيارتها لعائلة حبيب أفندي (حاكم القاهرة سنة ١٨٣٥) فكتبت تقول: «قُدِّمَت القهوة فوق صوان من الفضة، وكانت كالمعتاد في أقداح صغيرة من الصيني وضعت في حوامل على شكل كؤوس البيض، ولكن هذه لم تكن كمثيلاتها في البيوت العادية بسيطة أو مصنعة من خيوط الفضة المتشابكة، ولكنها كانت مرصعة بالماس. وكانت بالطبع أنيقة وقيمة جداً، أكثر من كونها جميلة»87. إذاً فدلالة وجود فصوص الماس والجواهر الثمينة حول الفناجين كانت علامة ترمز للثراء وللطبقة الأكثر ترفاً مثلما كان النحاس والفضة المتشابكة تدل على الطبقة العادية البسيطة والمتواضعة. ومن واقع زيارتها لسمو الأميرة زينب (صغرى بنات محمد علي باشا)، تلفت السيدة صوفيا الانتباه كذلك إلى أن التقليد الراقي في تقديم القهوة في «الحريم العالي» كان يقضي بأن يتم تمييز فنجان السيدة الأكثر أهمية في الديوان، حيث كان من المتعين أن يفوق فنجانها كل الفناجين الأخرى إبداعًا وجمالاً؛ ففنجان القهوة الخاص بسمو الأميرة زينب تميز برص فصوص الماس بطريقة حلزونية ماهرة على طبقة دقيقة الصنع من المينا!88.

  • 89 ابن عبد الغني، أوضح الإشارات، ص ٥٥٣.
  • 90 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص٣٥٤.
  • 91 أظهرت دراسة حديثة أن الأواني النحاسية كانت هي الأكثر شيوعاً في بيوت النخبة والطبقة المت (...)

44ومما له دلالاته أن المعاصرين كانوا ينظرون إلى أن مجرد امتلاك الفرد لمثل هذه الأدوات الخاصة كان علامة على الثراء : فنقرأ في «ابن عبد الغني» أن عرب أهل طهطا (نحو عام ١٧٢٩) صاروا «أغنياء بعد أن كانوا فقراء» لمجرد أنهم صاروا يطبخون في أدوات مثل «الطناجر والقزانات النحاسية، وبكارج القهوة والطشوت والأبارق وصحون النحاس والصواني»، وهي الأدوات التي كانوا قد استولوا عليها من المماليك89. والمعروف أن الأوعية المستعملة لدى فقراء الطبقة الدنيا كانت عبارة عن آنية من الصلصال90. وبداهة ليس الاستحواذ على مجموعة من الأدوات النحاسية وحده يقيم دليلاً على تغير وضع فئة اجتماعية من مرتبة إلى أخرى أعلى منها، ولكن المقصود بالطبع، دلالة التمظهر بمجاراة النخبة أو محاكاتها في استخدام ذات الأدوات النحاسية غالية الثمن التي اُعتبِرَت إحدى المؤشرات المادية الفارقة بين المجموعات الاجتماعية91، وربما بالقدر نفسه حمل سلوكهم نوعاً من التمرد في كسر احتكار بعض وسائل التميز النخبوي لطبقة العسكر وكبار الأعيان.

45وكل هذه الإشارات وغيرها توضح في التحليل الأخير إلى أي حد يمكن اعتبار طقوس القهوة ونوعية الأدوات المستعملة، ووجود خدم مخصوصين ينهضون بالمشاهد الاستعراضية حول فكرة «واجب الضيافة» - واحدة من معايير التصنيف الاجتماعي، والتمييز المادي والمظهري للفئة الأكثر ترفًا وحظوة في المجتمع، والتي كانت تحتكم على مصادر دخل متنوعة، استطاعت من خلالها تأمين وتغطية جميع أوجه «الإنفاق الشرفي» التي كانت تعبر عن هويتها الخاصة من خلال ما تصطنعه من مسافات اجتماعية مفتعلة لغرض تأكيد المكانة والوجاهة الاجتماعية.

آداب الاستقبال وطقوس شرب القهوة

  • 92 جوفی ميكيله فنسليبو، تقرير الحالة الحاضرة لمصر ١٦٧١، ص ١٧٦.

46ارتبطت بالقهوة آداب وطقوس معينة، فهي ليست مجرد مشروب عادي يقدم للضيوف، وإنما كان لها خصوصية في تقديمها، تكشف عنه بوضوح الترتيبات الدقيقة التي حُدِّدَت في تقديمها، والتي لم يسمح لأحد من الخدم بإحداث هامش من التجاوز العفوي؛ لأنها في النهاية عبرت عن مكانة صاحب البيت ومنزلته في الوسط الذي كان ينتمي إليه. وكانت الأدوار محددة بدقة بالغة، فيخبرنا الأب فانسليب، على سبيل المثال، بأن ثمة أربعة من مقدمي القهوة، كل منهم كان مسؤولاً عن دور في الاستقبال والاحتفاء بالضيف: فبينما يتولى اﻷول منهم توصيل الضيف إلى قاعة فسيحة ومنمقة (السلاملك)، وتبخير المكان قبل تقديم «خدمة القهوة»، يقوم الخادم الثاني بتقديم فوطة من الحرير، ليضعها الضيف على حجره، ثم يقدم له القهوة في فنجان من البورسلين (الخزف) الفاخر أو فنجان مصنوع من الفضة المذهبة، ويأتي الخادم الثالث وينزع عن الضيف فوطة القهوة، مقدمًا له «الشربات» الذي عادة ما كان يلي شرب القهوة ومصحوبًا بفوطة جديدة، يضعها أيضًا على حجره، أما الخادم الرابع واﻷخير فدوره ﻻ يقل أهمية عن سابقيه: فهو الذي يتولى غسل يدي الضيف بماء الورد، ثم يناول الضيف فوطة أخرى لتنشيف يديه، ثم يتولى رش لحيته ووجهه بالماء المعطر، وأخيرًا يأتي بأعواد البخور ويبخر المكان مرة أخرى92.

  • 93 Faroqhi, Subjects of the Sultan, p. 218
  • 94 جنيفر سكيرس، الثقافة الحضرية، ص ١٠٦.

47وهذه الصورة الرائعة من الآداب التي كانت شائعة لدى جماعات النخبة المعتبرين بالقاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، نجدها تتكرر في استانبول بالترتيب ذاته، مما يفترض معه أنها كانت أصولاً تقليدية شائعة في أوساط النخبة التركية المملوكية على وجه الخصوص: فقد رصدت ثريا فاروقي في دراستها عن «رعايا السلطان العثماني» المشهد نفسه في بلاط الصدر اﻷعظم في القرن السابع عشر، وذلك حينما استقبلت زوجة الصدر اﻷعظم زوجة أحد السفراء اﻷوربيين: فتم تبخير المكان قبل تقديم القهوة، وقدمت القهوة خادمات من الجواري، وهن جاثيات على ركبهن، وبعد اﻻنتهاء من شراب القهوة، قامت فتاتان منهن بتعطير شعر ماري زوجة السفير وكذا تعطير ملابسها ومنديلها93. وثمة تقرير آخر لزائرة أوربية، تُدعى «الليدي ماري ويرتلي مونتجيو» تمكنت (في عام ١٧١٧م) من عمل زيارة للسيدة « قهرمان» زوجة السلطان أحمد الثالث، واصفة أرفع صور الضيافة التي استقبلت بها :«على أريكة ترتفع عن مستوى الأرض بثلاث درجات، ومغطاة بسجاد فارسي بديع، جلست زوجة «الكتخدا» متكئة على حشيتين من الأطلس الأبيض المطرز، وعند قدميها جلست فتاتان يافعتان... جميلتان كملاكين، في ثياب فاخرة، وتقريبًا مغطاة كليًا بالمجوهرات... قامت لاستقبالي، محيية إياي بطريقتهم، واضعة يدها على قلبها في لطافة زاخرة بالجلال... ثم أمرت بتقديم حشايا لي، واعتنت بإجلاسي في الزاوية، وهو موضع التشريف... واصطفت جواريها الحسان تحت الأريكة، وقد شارف عددهن العشرين، وكن يقدمن لي القهوة راكعات على ركبهن في فناجين صغيرة مطلية بالفضة من أجود أنواع الصيني94».

  • 95 عبد الغني النابلسي، الحقيقة والمجاز، ص ٢٢٧.
  • 96 أوليا جلبي، سياحتنامة مصر، ص ٥٨٤.

48كذلك تخبرنا المصادر الأدبية بصورة مشابهة كانت تجري في بيوت كبار العلماء في القاهرة، تتقارب نسبيًا مع ما كان سائدًا في أوساط النخبة العسكرية، وإن تميزت طريقة التقديم بقلة المبالغة في استعراض الأبهة والثراء وقوة النفوذ : فالنابلسي (أحد أبرز فقهاء الشام، والذي زار مصر في سنة ١١١٠ هـ/١٦٩٨م) حين نزل ضيفًا على الشيخ البكري (شيخ السجادة البكرية ونقيب اﻷشراف) كتب في يوميات رحلته أن هذا الشيخ كان له جماعة خاصة يخدمونه، قدموا له القهوة والسكر، كما جاؤوا إليه بالبخور والعطور في أعقاب شرب القهوة95. كذا استوقف اوليا جلبي ما شاهده على موائد الشيخ البكري نفسه، وذلك في «المولد» الذي اعتاد السادة البكرية إقامته في كل عام، فقد لاحظ وجود سبعين إلى ثمانين خادمًا يقومون بتقديم المشروبات في ألوان من الأواني الفسفورية المُطعمة بالجواهر الكريمة والكؤوس المنبتة، وحتى مجامر العنبر والبخور كانت مرصعة بالجواهر كذلك96.

  • 97 محمد بن حسن بن عبد الله باش خليفة مستحفظان، الطريقة والأدب، ورقة ٣٣ أ.
  • 98 Moussa, Le Voyage en Égypte, p. 630

49وفكرة الجمع بين «القهوة والشربات وقماقم البخور» أساسية، ومشار إليها في كتاب الطريقة والأدب الذي يُحدد بها طريقة استقبال الضباط العثمانلية وقيامهم بالتشريفات المختلفة97. وقد أكد أيضاً الرحالة سافاري Savary (زار مصر بين عامي ١٧٧٦-١٧٧٩) في خطاباته على هذه الطقوس عينها، التي كانت محل مراعاة واهتمام بالغ داخل البيوت الكبرى للأعيان والأمراء، مبيناً كذلك أهمية «المبخرة الفضية»، وما يفوح منها من روائح ذكية؛ جراء حرق أفضل أنواع البخور بها98.

  • 99 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٨.

50وتفيض مصادرنا الأدبية في القرن التاسع عشر بمعلومات دقيقة حول آداب تقديم القهوة، ومن ذلك ما لاحظه كلوت بك من الحرص الزائد بشأن التعليمات المعطاة إلى مقدمي القهوة وإلزامهم بمراعاتها بكل اهتمام وتدقيق، وذلك خلال تقديمهم لفنجان القهوة أو حين يأخذونه من الحضور بعد فراغهم منه: فقد كانوا يصبون القهوة في الفناجين ثم يقومون بتقديمها إلى الحاضرين ممسكين الظرف من أسفله بأطراف الأصابع، فيتلقى الزائر الفنجان بالقبض على الظرف بالإبهام والأصابع الثلاثة التالية له من اليد اليمنى. وحين أخذ الفنجان بعد فراغه، يتلقوه بطريقة تشبه التي يقدمونه بمقتضاها رقة وأدباً؛ وذلك أن الفنجان لما كان لا يحتوي على بروز خارجي فإنه حينما يتلقاه يفعل ذلك بحركة لطيفة بوضعه يده اليمنى على فتحة الفنجان وتركيزه قاعدة الظرف على يده اليسرى99.

  • 100 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٨‑٣٥٩.
  • 101 الأميرة جويدان، مذكرات الأميرة جويدان، ص ١٩.
  • 102 الأميرة جويدان، مذكرات الأميرة جويدان، ص ٣٠.

51وكان على الخدم أن ينتبهوا جيداً إلى ضرورة مراعاة الفروق الاجتماعية بين السادة الحضور؛ إذ كان يتعين أن يقدموا القهوة في أول الأمر إلى الشخص الذي يؤهله مقامه أو رتبته أو ثروته لأن يحوز شرف الأسبقية على غيره في الخدمة، وإذا وُجِدَ بين الحاضرين أكثر من واحد يستحقون هذا الاعتبار فإن فناجين القهوة تقدم إليهم في آن واحد وعليهم قبل تناول الفنجان الذي يُقدم إليهم أن يحيوا بعضهم بعضاً. أما إذا كان الزائرون أحط مرتبة من مضيفهم، فلا يصح تقديم القهوة إليهم إلا بعده بحسب ترتيب مجالسهم منه، والواجب عليهم في هذه الحالة أن يحيوا صاحب البيت بالإشارة قبل تناول الفنجان، وكلما تلقى تحية أجاب عليها برفع فنجانه إلى موازاة وجهه100. كذلك قضت التقاليد بأن لا يُبادر ببدء الشراب بين الضيوف إلا مَنْ كان أعلى مقامًا ومكانة؛ من ذلك ما أشارت إليه حرم الخديو الأميرة جويدان هانم في مذكراتها، وذلك بمناسبة حضورها لحفل زواج دُعِيت إليه : «ما إن جاءت القهوة يحملها قهوجي كلفا حتى قدمتها جارية إلى الهوانم وهي خافضة الرأس، ثم اتجهت كل الأنظار لي؛ لأن التقاليد تقضي بأن أكون أولى البادئات بشرب القهوة وهن من بعدي»101. والأمر بالنسبة لشرب الدخان كان فيما يبدو أكثر صرامة؛ فالمبادئ الرسمية قضت «بمنع الناس من التدخين أمام الخديو حتى ولو سمح لهم بذلك»102.

  • 103 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٩.
  • 104 صوفيا لين بول، حريم محمد علي باشا، ص ١٣٠‑١٣١.
  • 105 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٥٩.

52ولا ينبغي في شرب القهوة أن تشرب إلا مصاً بطرف الشفتين ومن غير إمالة الفنجان، ومن يريد من الحاضرين إظهار الاحترام (المزور لمضيفه) باعتبار كونه أرفع منه شأناً فعليه أن يتحول برأسه عنه تحولاً خفيفاً وأن لا يشرب من القهوة إلا الشيء اليسير منها. وحين يرد الفنجان يقتضي ابتعاد الذراع ابتعاداً خفيفاً عن الجسم103، مع إبداء «التحية التقليدية المتبعة» للمضيف أو لأهم سيد (أو سيدة) يتميز بمكانه الخاص على الديوان104. وأن لا يصحبه كلام مع الخادم، وإنه متى تناوله هذا الأخير منه يؤدي بإشارة التحية كما أداها وقتما قدم إليه. وبحسب ما ذكره كلوت بك «كان لا يجوز التحدث مع رب البيت في عمل إلا بعد شرب القهوة، فإذا ابتدره الزائر بالحديث في المصلحة التي ساقته إليه قبل ذلك، كانت هذه المسارعة تهجماً لا مبرر له، بل مسلكاً لا يليق بالمتأدبين»105.

  • 106 دي شابرول، دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين، مج ١، ص ١١٠. وتبدو ملاحظة رالف هات (...)
  • 107 نوبار باشا، مذكرات نوبار باشا، ص ٧١.
  • 108 الأميرة جويدان، مذكرات الأميرة جويدان، ص ٣٧.
  • 109 الأميرة جويدان، مذكرات الأميرة جويدان، ص ٢٥.

53وكانت القهوة تشرب في صمت ورزانة بالغين، وهي خاصية مميزة لجماعة الصفوة، وعلى حد قول دي شابرول: «إن الصمت والاحترام وقت تناول القهوة كانا علامتين ملازمتين للعظمة والوجاهة» 106. وقد ذكر نوبار باشا في مذكراته أن «أصول الإتيكيت» كانت تقضي بأن تشرب القهوة ببطء وعلى مهل، وأن يجري خلالها الحديث الأكثر هدوءاً في العالم107. ولجويدان هانم زوجة الخديو وصف رائع له دلالته في هذا الصدد كذلك : ففي حضرة خديو مصر كان شرب القهوة وتبادل الأحاديث الرسمية يتم «بأصوات خافتة كأنها آتية من مدى بعيد»108. وحين كان يحلو لها الخروج عن صرامة التقاليد الرسمية، خلال لحظات اللهو الخاصة جداً بينها وبين الخديو، كانا يتعمدان شرب القهوة على حد قولها: «بصوت عالٍ جداً كما لو كنا من العامة»109.إن الهدوء والسكينة وخفوت الأصوات في مجالس شرب القهوة كانت سمات أساسية لما عُرِفَ «بالقهوة الراقية».

  • 110 غادة أسامة أحمد، وضع المرأة، ص١١٧.
  • 111 تردد فى المصادر جملة: «وأكرمهم بتقديم القهوة والبخور»، راجع ابن عبد الغنى: المصدر (...)

54وكلما ابتعدنا عن «ثقافة القصور» كانت درجة التمسك بالطقوس والتقاليد المصاحبة لشرب القهوة تقل بالتدريج، لتتسم عند الطبقات القابعة في نهاية السلم الاجتماعي، بالطابع العملي البسيط، والمتحرر من سطوة الالتزام بالقواعد والمعايير التي تشكل ايديولوجيا الاستهلاك؛ فيجري تناولها بطريقة تلقائية من دون تحفظات سلوكية صارمة، سواء داخل المقاهي أو في فضاء المزارع حيث كانوا يتجمعون زرافات على شاطئ النيل، يشربون القهوة ويدخنون التبغ، ومن يرد منهم الراحة والاسترخاء يخلد إلى النوم سريعاً. ومن منظور الفئات المحافظة في المجتمع سوف يُنظر إلى المقهى على أنه مكان سيئ السمعة، وخاصة بعد أن بات غاصاً بالعاطلين (البطالين) واﻷرازل والغوغاء والسوقة، وتردد الراقصات والغواني عليها، وبيع اﻷفيون والحشيش بها أحيانًا، فضلاً عما كان يسببه الازدحام عليها من صخب وضجيج أناء الليل وأطراف النهار. ومن هنا لم يكن غريباً أن نجد المرأة في بعض عقود الزواج (التي تعود إلى القرن الـ 17م) تشترط على زوجها «ألا يدخل بيت القهوة»110. تحول المقهى إذاً إلى فضاء عام يتردد عليه أخلاط الناس وعوامهم لا يقوم التفاعل بينهم على الصلة الحميمة التي تحكمها قيم تبادلية، فضاء تمارس به سلوكيات تتخطى الصفة المعيارية للآداب والأعراف المقبولة من المجتمع المحافظ. بيد أن ذلك لم يقلل من قيمة القهوة نفسها في الحياة اليومية، وفي آداب الاستقبال والضيافة على وجه الخصوص؛ حيث ظلت علامة على الكرم والاحتفاء الخاص المفعم بالود والمؤانسة111.

أثر التحديث والتغير الاجتماعي في القرن التاسع عشرعلى النسق الثقافي لشرب القهوة

  • 112 إدوارد وليم لين، عادات المصريين، ص ٢٠٦.

55ظلت نزعة المحافظة Conservatism على استمرارية تلك الطقوس حتى القرن التاسع عشر، لكنها فيما يبدو بدأت تخبو وتفقد أهميتها بالتدريج نحو ثلاثينيات القرن التاسع عشر: فالمستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين (١٨٣٥-١٨٣٣)، كمراقب مشغول ومعنى برصد الثابت والمتغير في عادات المصريين في ظل مخاض التحديث، سجل ملاحظته الدقيقة التالية: «إن العادة المنتشرة بين الأغنياء برش الضيف قبل نهوضه للرحيل بماء الورد أو بماء الزهر، وتعطيره بطيب زكي قد بدأت تختفي منذ سنوات»112. وهذه العادة كانت تمثل مسألة أساسية في الاحتفاء بالضيف، مما يعني أن طقوس الاستقبال والضيافة المرتبطة بالقهوة طالها بعض التغيير.

  • 113 أنتوني غِدِنز، علم الاجتماع، ص ٩١.

56ويجدر بنا النظر إلى أن هذا التغيير الجزئي في الطقوس اليومية المعتادة لم يحدث بصورة مستقلة أو منفصلة عن مختلف التطورات التي أنتجتها عملية التحديث. ولذلك يتعين عند تفسير هذه النتيجة أن نأخذ في الاعتبار تأثير التغيرات الهيكلية التي أدخلها المشروع الإصلاحي لمحمد علي باشا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ وذلك باعتبارها أسباباً موضوعية للتخلي عن بعض مظاهر الإسراف في التقاليد الشكلية المتضمنة في طقوس الاستهلاك. وكانت أهم االمتغيرات الجوهرية في مشروع التحديث متمثلة في : تغير هيكل السلطة بتحولها إلى الإدارة المركزية، تحول النظام الاقتصادي من معيشي تقليدي إلى اقتصاد موجَّه، تعتمد سياسته بشكل أساسي على الترشيد وزيادة الإنتاج، النمو الحضري، التصنيع، تفكيك التشكيلات الاجتماعية السابقة... إلخ). وأكد عالم الاجتماع الشهير «انتوني غِدِنْز» أن مثل تلك التغييرات بإمكانها أن تعمل (وبصورة متفاوتة في كل مجتمع) على التقليل من آثار القواعد والتقاليد الموروثة، مما يسمح بحدوث تحرر من بعض الأنماط القيمية والسلوكية التي كانت في السابق تتسلل بصورة ثابتة من جيل إلى جيل113.

  • 114 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٢٧٣.

57وفي ضوء ذلك يمكن الافتراض بأن تغير بعض طقوس الاستقبال والضيافة في القرن التاسع عشر قد جاء نتيجة لتغير اجتماعي وثقافي عام. ونعتقد بأن أهم ما كان له تأثير مباشر في ذلك، كان راجعاً بالأساس إلى الإطاحة بالمجموعات الممثلة لنخبة القرن الثامن عشر التي كانت راعية لهذه الآداب والتقاليد والقواعد: فلم تعد النخبة في عصر التحديث مُشكَّلة، كما في السابق، من أمراء البيوت المملوكية أو مجموعة كبار الأعيان (تجار وعلماء)، وهما المجموعتان اللتان تعرضتا للإقصاء السياسي والاجتماعي؛ وفيما تم تنحية الأولى عن السلطة، وتصفية قوتها العسكرية جسديًا، عبر مذبحة القلعة (١٨١١)، ومطاردة الفلول المتبقية منها حتى بلاد الحبشة، تم إضعاف نفوذ المجموعة الثانية (وبالأخص جماعة العلماء) والحيلولة بينها وبين التداخل في أمور السلطة وسياسة البلاد. وقد عبَّر كلوت بك - باعتباره شاهد عيان على هذه التجربة - بوضوح تام بقوله : «كان لطبقة العلماء في عهد سابق تأثير عظيم في نفوس الناس وقيادة آرائها... غير أن الوالي قلب صرح هذا النفوذ، فجعل عاليه سافله؛ إذ انتزع من أيديهم الأملاك الواسعة.. فأصبحوا لهذه الأسباب ولا شيء بيدهم من السلطة وقوة التأثير لا على الأمة ولا على الحكومة»114.

  • 115 رءوف عباس، التطور الاجتماعي، ص ١٣٧.

58أعادت هذه العملية الاجتماعية الصعبة هيكلة بناء جماعة النخبة بصورة تدريجية لكنها حاسمة في الوقت نفسه؛ حيث أدت مركزية الدولة والمشروع الإصلاحي إلى خلق نخبة جديدة عُرِفَت فيما بعد باسم «الذَّوات» أو «الذَّوات المُعتبرين»، الذين جاءت جُلَّ أصولهم من الأتراك والأرنؤود بالإضافة إلى الشَّركس والأكراد والأَرْمن والشَّوام، وهم الذين كان يجمع بينهم التمسك باللُّغة التركيَّة باعتبارها لغة النُّخبة، وبالثقافة والعَادات التُّركيَّة، يزاحمهم على استحياء وبصعوبة بالغة حفنة من المصريين (ممن أُتِيحَت لهم فرصة التعليم في عهد محمَّد علي باشا وارتقاء بعض الوظائف الكُبرى)115؛ ومن ثم جاءت هذه النخبة من أصول اجتماعية وثقافية مختلفة، تؤمن بأفكار ومعتقدات وعادات وقيم سلوكية مغايرة، فضلاً عن أنها تأثرت بخضوعها إلى حد كبير للتوجهات المركزية التي تطلبها المشروع النهضوي آنذاك، مما يفترض معه حدوث تغير موازٍ - بدرجة ما - في نمط المعيشة والقيم الاجتماعية والسلوك الثقافي العام. ويجب الاعتراف بأن هذه المسألة ما برحت تحتاج إلى المزيد من الدراسات التحليلية التي تتقصى معرفة ما تغير وما استمر في منظومة القيم الثقافية والاجتماعية خلال عملية التحديث التي مثلت قوة ضاغطة على المجتمع وموجهة له في الوقت نفسه نحو مسار تحكمه قيم ومعايير مختلفة.

  • 116 رسالة دروفتي إلى وزير الخارجية الفرنسية، بتاريخ ١٤ من ديسمبر ١٨١٠، منشورة في: إدوارد دريو (...)
  • 117 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٤٣٤.
  • 118 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٧٢‑٧٣؛ ٢٩٢‑٢٩٨؛ ٣٢٠‑٣٢١.
  • 119 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٢٩٤.
  • 120 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣٢١.

59وعلى الرغم من قلة الشواهد الراهنة إلا أنها تظل ذات دلالة واضحة للمسار المختلف الذي انتهجته نخبة «الذوات المعتبرين» مقاربة بنظائرهم المنتمين للحقبة المملوكية، وذلك على مستوى ايديولوجية الاستهلاك : لقد لاحظ نائب القنصل الفرنسي بالقاهرة السيد دروفتي اختلافاً مهماً بين النخبتين في مسألة تتصل بسلعة استهلاكية أخرى - غير القهوة - وهي الملابس التي كانت تهم فرنسا باعتبارها المورد الأساسي للجوخ الغالي الثمن؛ فكتب في تقريره إلى وزارة الخارجية الفرنسية « إن القوات المملوكية التي كانت في الماضي تستهلك كميات هائلة من الجوخ، قد حلَّت محلها قوات أخرى لا تريد سوى ادخار المال، ولا يوجد مَن يقبل على بعض منتجات البضائع الأوروبية سوى بيت الباشا وبيت أبنائه وضباط حاشيته»116. وقد أكد كلوت بك مسألة الحرص على الإدخار لدى هذه النخبة الجديدة، وخاصة جماعة الأرنؤود منهم، الذين لم يعرف عنهم - على حد قوله - سوى «الحرص الشديد على المال والغرام بجمعه»117. ويفهم من تفاصيل عديدة أوردها هذا المراقب في غير موضع118 بأن شكل الثياب وكلفته ووظيفته الاجتماعية والعملية طالها التغيير، وفي مقدمة الأسباب تغير تركيبة النخبة الحاكمة وتوجهاتها وتأثر ذوي الحيثيات منها بمظهر الحلل العسكرية الأنيقة التي سارعوا بمجاراتها؛ حيث اتسم طرازها بالعملية والبعد عن الإسراف في النفقة والاسترسال في الزخرف، ما بلور في النهاية ما اسماه «بالزي الحديث» المناقض «للباس القديم» (وهو اللباس الطويل والفضفاض) الذي اندثر، ولم يعد يرتديه سوى من بقوا على قيد الحياة من طائفة المماليك وبعض العلماء والتجار وكتبة المصالح119؛ كذا الملابس المزركشة بأسلاك الذهب التي كانت شائعة الاستعمال في بيوت المماليك والعثمانيين، يقول عنها إنها « تركت في زوايا النسيان، وحل محلها نسيج حرير الموسيلين الساذج».120 فضلاً عن التوسع في استخدام المنسوجات القطنية الأرخص كلفة.

  • 121 وأطلق فولني على هذا السلوك اصطلاح «البذخ المستفيض»؛ أي الزائد عن كل حد، راجع فو (...)
  • 122 فولني، ثلاث أعوام في مصر، ص ١٣٧.
  • 123 الجبرتي، عجائب الآثار، ج ٤، (يومية ١١ ربيع الثانى ١٢٢٥ هـ/١٨١٠م).

60إن هذه المفارقة ليست بسيطة؛ لأن الادخار والميل إلى عدم الإسراف في النفقة على الهيئة الاجتماعية شكل نقيضاً تاماً لفكرة البذخ والترف التي وفرت - في الحقبة المملوكية - المناخ الملائم لممارسة الطقوس (عالية الكلفة) وابتكار تقاليد مصطنعة تستخدم في تأكيد التمايز الاجتماعي. وقد تنبه إلى هذه المسألة الرحالة فولني (زار مصر بين عامي ١٧٨٣-١٧٨٥م) الذي استوقفته مظاهر البذخ والحياة الرفاهية121 التي كان يرفل في نعيمها البكوات المماليك ومن في أذيالهم من الفئات الاجتماعية المدنية، موضحاً أن البذخ والإسراف بغير حدود كان ناتجاً عن تعقد الإحساس بضرورة نبذ كل ما يُشير إلى بساطة الأسلوب التي يتعين في النهاية أن تميز حياة العامة (الرعية)؛ ومن هنا كان معظم استهلاك هذه النخبة الحاكمة قائماً حول أدوات البذخ والترف»122. ولا شك أن لذلك دلالته العاكسة لتصور هذه الجماعة لذواتها بقدر ما أنها معبرة عن موقفها من الحياة وممن كانوا يحيطون بها من الناس، كل الناس. وسوف نجد إبراهيم بك الكبير(١٧٦٨-١٨١٧)، إبان لحظات التحول الأكثر دراماتيكية (بعد المذبحة ورفض محمد علي باشا السماح لهم باستعادة وضعيتهم الاجتماعية والمادية السابقة) يتأسف بلغة ملأها الحزن على زمن كانوا يحيون فيه مع سائر طوائفهم وخدمهم في رفاهية من العيش وكثرة النفقات في وجوه عديدة بغير حساب أو مراجعة123.

  • 124 يروي الجبرتي بأن أحمد أفندي هذا «لما سافر إلى الباشا بدفتر الفرضة إلى ناحية أسيوط طلع إلى (...)
  • 125 جيوفاني باتيستا بلزوني، بلزوني في مصر، ص ٢١٧.

61وإذاً فالسلطة المركزية التي اعتمدت سياسة الترشيد والرقابة، شكلت بتوجهاتها العملية في هذا الصدد عاملاً مؤثراً بدرجة كبيرة في محاصرة تقاليد الإسراف والترف، لتتسم حياة بعض جماعة النخبة الجديدة بالبساطة والابتعاد عن مظاهر الأبهة الفاخرة. إن حادثة التخلص من «أحمد أفندي ججرت»124 (١٢٢٥ هـ/١٨١٠) الموظف بديوان مالية الروزنامة الذي تمت الإطاحة به، وتغريمه مبلغاً طائلاً من المال؛ جراء ما ظهر عليه من استعراض لسعة حاله وثرائه، ليست في واقع الأمر سوى واحدة من شواهد عديدة مشابهة، تركت أثرها واضحاً على قوة الإدارة المركزية في الحيلولة دون استمرارية السلوك الترفي المبالغ فيه بين موظفي الدولة. وهو ما أكدته ملاحظة مراقب آخر، معاصر للجبرتي في الفترة عينها، هو المستكشف الأثري جيوفاني باتيستا بلزوني (استقر بمصر بين عامي ١٨١٥ و ١٨١٩)؛ حيث أشار إلى أن رجال السلطة وكبار الموظفين في إدارة محمد علي باشا «كانوا لا يجرؤون على إظهار أقل مظاهر الثراء والغنى حتى لا يُثيرونَ الشك في احتيالهم على سيدهم... وأن معيشتهم في بيوتهم كانت تتسم - في الغالب - بالبساطة»125.

  • 126 جيوفاني باتيستا بلزوني، بلزوني في مصر، ص ٢١٧.

62ولا يصعب تصور تأثير ذلك على تغير ثقافة الاستهلاك ومن ثم عدم إيجاد المناخ الملائم لاستمرارية الطقوس ذات الكلفة العالية التي كانت تصاحب استقبال الضيف وتقديم القهوة الراقية له. لقد لاحظ بلزوني نفسه ذلك حين التقى بحاكم إقليم أسوان بالقرب من ضفاف النيل، حيث وجد هذا المسئول الكبير مع بطانته جالساً على حصيرة تحت أشجار النخيل، يشرب القهوة مع رفقائه بصورة عادية تماماً. وحينما صعد هذا الأغا على ظهر المركب الذي كان يستقله بلزوني، وتبعه بعض من أتباعه، قدم إليهم بلزوني القهوة ولم يجد أحد منهم يمتعض من طريقته في توزيع القهوة عليهم جميعاً دونما تمييز126.

  • 127 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٣١٣.
  • 128 كلوت بك، لمحة عامة إلى مصر، ص ٢٩٥.

63واقترنت عملية تبسيط أسلوب الحياة والابتعاد بها عن مظاهر الاستعراض المادي بضرورة النظر في مسألة امتلاك عدد مبالغ فيه من الخدم، وهي كما هو معروف واحدة من الأدوات التي لطالما استخدمتها النخبة التقليدية في استظهار حال اليسار. ومرة أخرى يُبرز كلوت بك شهادته بشأن دلالة هذا التغير؛ إذ يقول: «كان رب البيت في السابق مضطراً دوماً في قضاء حاجته، ولو كانت تافهة، إلى الاعتماد على أناس مختلفين، ويستخدم عدداً عظيماً من الخدم والقيام بالإنفاق عليهم جميعاً. لقد تغيرت هذه الحال بعض الشيء؛ إذ قل عدد الخدم كثيرًا عن ذي قبل، واقتصر الناس على الاحتفاظ بمن لا يستغنى عنه منهم، وذلك بفضل سمو الوالي ونجله إبراهيم باشا اللذين نصبا نفسيهما للقدوة في هذا الموضوع»127. ومسألة محاكاة رأس السلطة في تغيير سلوك ذوي الحيثيات وجدت سبيلها واضحاً مع التزام الباشا وولده بتطبيق قواعد التغيير على أنفسهما شخصياً128.

  • 129 دونالد كواترت، الدولة العثمانية، ص ٢٦٨‑٢٧١.
  • 130 راجع على سبيل المثال ما أورده بخصوص توحيد الثياب الضيقة والتخلي عن الملابس الواسعة والطوي (...)
  • 131 عاصم الدسوقي، «ملامح التغير الاجتماعي»، ص ١٢٣.

64وثمة متغير آخر ترك أثره في ذات الاتجاه وهو إصدار الدولة العثمانية نفسها لعدة قوانين في أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر، استهدفت توحيد المجتمع العثماني، وتفعيل التمازج بين طبقاته، وإلغاء الكثير من مظاهر الفروق الاجتماعية، وكل ذلك جعل كثيراً من المظاهر الشكلية، وخاصة تلك التي كانت تحدد مرتبة الفرد ومهنته ومكانته الاجتماعية تأخذ في التلاشي129. وقد ألمح كلوت بك إلى هذا «الاتجاه الإصلاحي وأهمية نتائجه الطيبة في إزالة الفروق»130؛ ومن ثم حدثت ما أسماه عاصم الدسوقي «عملية موازنة في المجال الاجتماعي والاقتصادي»131.

65ويبدو لنا أن كل هذه التطورات وغيرها شكلت على امتداد القرن التاسع عشر ظرفاً موضوعياً للتقليل من الاهتمام بمظاهر البذخ والترف (على الطريقة المملوكية) ومحاصرة ثقافة التبذير في الأوقات الحرة بصورة غير مباشرة في ظل تحميل المجتمع أعباء وضغوط عملية التحديث، وأن أعداد المتشيعين لهذه الثقافة تضاءلوا نسبياً وبصورة تدريجية.

  • 132 عاصم الدسوقي، «ملامح التغير الاجتماعي»، ص ٤٣٢. ومما له دلالته ما أوضحته دراسة سهام الدبّا (...)
  • 133 خديو عباس حلمي، عهدي، ص ٤٠-٤١ ،٤٣.

66بيد أنه يتعين المفارقة بين ما فرضته رأسمالية الدولة الحديثة في هذا الاتجاه وبين حاجتها هي إلى المظاهر الطقوسية المؤكدة لمكانتها الاعتبارية ولصون هيبتها وناموس الدولة : فعلى الرغم من عزوف محمد علي باشا عن ضروب التبذير والمباهاة في جُلّ سلوكه، والدفع بكبار موظفيه في هذا الاتجاه؛ إلا أنه أبدى الاحترام الكامل لفكرة الطقوس وآدابها المرعية لما ترمز إليه من رسم صورة الحاكم وذويه ولكونها معبرة في النهاية عن ناموس الدولة وهيبة الحاكم وطريقته في تكريم ضيوفه ممن كانوا يترددون على ديوان حكمه. وقد وصل حرصه في هذا الأمر إلى حد اتخاذه قراراً بنفي مجموعة من الخدم (مقدمي القهوة) إلى الحجاز مدى الحياة؛ بسبب قيامهم بتقديم القهوة بأيديهم اليسرى لضيوفه الأجانب، حيث كان يستقبلهم بالديوان، وهو ما جعله يشعر بالحرج - كما يقول كلوت بك - من خروجهم عن التقاليد المتبعة وسوء أدبهم وقلة اكتراثهم بضيوفه!132 وقد مرت بنا الكثير من الشواهد التي فاضت بها مصادر القرن التاسع عشر والتي من خلالها تعرفنا على استمرارية الكثير من آداب وطقوس شرب القهوة في بلاط أسرة محمد علي باشا وبعض عائلات كبار موظفيه من ذوي الحيثيات والاعتبار. وإلى جانب ذلك لا يمكن أن نغفل تأثر تلك الآداب والتقاليد بمتغير آخر تمثل في محاكاة بعض قواعد الاتيكيت والتقاليد والمراسيم الدقيقة السائدة في بلاط حكام وملوك أوربا الذين احتك بهم خلفاء محمد علي باشا، وهذا على الأقل هو الانطباع الذي نخرج به من قراءة مذكرات خديو مصر عباس حلمي الثاني (إبان رحلة تعليمه في أوربا في ثمانينات القرن التاسع عشر)133. بيد أنه لا يجب أن ننسى أن هذه الاستمرارية ظلت تخفي وراءها تغير مهم وهو أنها بقيت عند حدود شريحة محدودة مرتبطة بالسلطة، فيما كانت بالمقاربة مع عصر البكوات المماليك فيما قبل القرن التاسع عشر، تتسع لفئات عديدة بشقيها العسكري والمدني والتي أدت مغادرتها (القسرية) لمواقعها من على قمة الهرم الاجتماعي إلى انكماش المساحة الاجتماعية التي كانت تمارس فيها طقوس وآداب الضيافة.

67لعل أهم ما يمكن أن نستنتجه من دراسة آداب وطقوس القهوة أنها تدفع بالكتابة التاريخية نحو قلب الحياة اليومية، وبالأخص تجعلنا نقترب من عمق حياة جماعة النخبة؛ فنتعرف على بعض قيمها وسلوكياتها والمعايير التي حكمتها وشكلت تصوراتها عن نفسها وعن الواقع المحيط بها، وسعيها الدؤوب وانشغالها الدائم، خلال الحقبة المملوكية، بتحقيق تمايزها الاجتماعي والعمل على جعله ملموساً بشتى الوسائل، وذلك حتى مشارف القرن التاسع عشر. وإذا كانت الدراسات السابقة قد بينت بعض تلك الوسائل مثل : التشديد على قصر امتياز امتلاك المماليك والجواري وركوب الخيل، وما تعلق كذا بمظاهر الإسراف في الإنفاق على الهيئة الاجتماعية، وحتى تحديد ألوان الملابس التي تم استعمالها في تصنيف المجموعات الأثنية والدينية... إلخ، فإن القهوة هنا، بكل ما ابُتكِرَ حولها من آداب وطقوس، تكشف عن وسيلة أخرى لجأت إليها هذه النخبة وعملت على توظيفها في سياق إحساسها المعقد بضرورة تمييز وضعيتها الاجتماعية والابتعاد بناموس حياتها عن مظاهر التبسيط التي يجب - من منظورها - أن تظل سمة لحياة كل من كان دونها في السلم الاجتماعي.

68بيد أن التغييرات العميقة التي تمخضت عن دخول المجتمع المصري عصر التحديث في النصف الأول من القرن التاسع عشر، زلزلت أركان هذا النظام ثم أسقطته وأطاحت بنخبته؛ وكنتيجة لذلك بُلوِرَت فلسفة جديدة لإدارة السلطة والمجتمع، فلسفة استندت إلى قيم ومعايير مغايرة، تؤمن بالكفاءة والعمل وترشيد الإنفاق وزيادة الإنتاج والضغط على المجتمع لدفعه في طريق الإصلاح والتنمية، ولا تقيم في الوقت نفسه وزناً للمظاهر والتقاليد المسرفة، كما أنها لا تحفل بالأبهة وضروب التفاخر من كل نوع... إلخ. وإلى هذا التعارض تحتم ضرورة استبعاد جماعة النخبة التقليدية من المشهد بكل أطرافها، واستبدالها بجماعات نخبوية من أصول ومشارب مختلفة، تحولت في ظل فلسفة التحديث الصارمة إلى أشبه بطبقة من الموظفين البيروقراطيين الذين خضعوا لتوجيهات الحكم المركزي ولمقتضيات المشروع التحديثي. ويفترض في هذا السياق من التطورات تراجع الاهتمام بالتمسك بالطقوس والتقاليد الرمزية الموروثة حول آداب الاستقبال والضيافة والتي كان محورها القهوة، لتقتصر مزاولتها أو تكاد على الأسرة الحاكمة ومن تداخل معها وكان في معيتها من كبار عائلات الموظفين القاطنين بمدينة القاهرة.

69ويبقى أن نشير إلى أن القهوة تحيلنا إلى ضرورة التنبه لأهمية دراسة تداعيات عملية التحديث على منظومة القيم والتقاليد والأعراف المجتمعية، والتعرف على ما استمر منها وتحدى رياح التغيير، وما انقطع وتلاشى أو على الأقل جرى تعديله بصورة متفاوتة تخدم في النهاية النظام الجديد وأهدافه التطورية.